اخبار فلسطين
موقع كل يوم -سما الإخبارية
نشر بتاريخ: ١٥ أب ٢٠٢٦
كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون من معهد سكريبس لعلوم المحيطات بجامعة كاليفورنيا عن نظام بيئي بحري قديم يقبع تحت نهر تايلور الجليدي في القارة القطبية الجنوبية، ظل مقطوعًا عن العالم الخارجي لمئات آلاف السنين، ما يسلط ضوءًا جديدًا على أصل ظاهرة 'شلالات الدم' المشهورة في تلك المنطقة.
تقع الظاهرة في وديان ماكموردو بالقطب الجنوبي، إحدى أقسى المناطق على وجه الأرض برودة وجفافًا، حيث تتدفق من تحت النهر الجليدي مياه بالغة الملوحة مشبعة بالحديد. عند انبثاق هذه المياه وتعرضها للهواء، يتأكسد الحديد فتكتسب المياه لونًا أحمر داكنًا مميزًا، لكن هذه الدراسة الجديدة، المنشورة في دورية 'نيتشر جيوساينس'، تتجاوز شرح اللون لتحقق في أصول المياه نفسها والكائنات الدقيقة الحية بداخلها.
أظهرت التحليلات التي أجراها الفريق البحثي على 167 عينة من المياه والجليد والرواسب والطين والهواء ألوف الأنواع من الكائنات المجهرية، منها مجموعات ترتبط بشكل مباشر بالبيئات البحرية مثل الدياتومات والهابتوفيتات والدينوفلاجيلات والهدبيات، وهي الكائنات التي تشكل عادة أساس السلسلة الغذائية في المحيطات.
وتشير الفرضية التي يدعمها هذا الدليل البيولوجي إلى أن المنطقة المحيطة بنهر تايلور كانت ذات يوم جزءًا من البحر خلال عصر دافئ قديم ارتفعت فيه مستويات المياه العالمية. مع تراجع درجات الحرارة اللاحق وتمدد الأنهار الجليدية، انسحب البحر تدريجيًا، لكن كميات من مياهه بقيت محاصرة تحت طبقات الجليد السميكة، لتتحول على مدى مئات آلاف السنين إلى بحيرة جوفية مالحة جداً، منقطعة تماماً عن المحيط والعالم الخارجي.
استند العلماء سابقًا إلى الخصائص الجيولوجية والكيميائية في الترجيح بأن 'شلالات الدم' تنبع من بقايا ذلك المحيط القديم، غير أن الدراسة الجديدة توفر الآن دليلًا بيولوجيًا صارمًا. أظهرت المقارنة الجينية تشابهًا ملحوظًا بين بعض الكائنات الدقيقة في الشلالات وتلك الموجودة في مياه البحر القريبة، حيث بلغت نسبة الكائنات المشتركة مع المجتمعات الميكروبية البحرية حوالي 9.3% في موقع الشلال، مقابل 1.15% فقط في مواقع أخرى من وديان القارة القطبية الجنوبية. وكما يقول الباحثون، يصعب تفسير هذه النسبة العالية من الكائنات المشتركة بالانجراف المحمول على الرياح وحده، ما يعزز الاستنتاج بأن المياه المحاصرة تحت النهر الجليدي تعود بالفعل إلى أصول بحرية قديمة.
من الناحية الفيزيائية، تسلط الدراسة الضوء على سرّ حفاظ هذه المياه على الحالة السائلة رغم أن درجة حرارتها تصل إلى نحو سبع درجات مئوية تحت الصفر. يعود ذلك إلى التركيز الاستثنائي للأملاح الذائبة فيها، الذي يخفض درجة تجمد المياه بشكل كبير، مضافًا إليه الحرارة المنطلقة من عملية تجمد أجزاء من المحلول الملحي نفسه، وهذا المزيج يضمن استمرار تدفق هذا المحلول الملحي تحت طبقات الجليد دون أن يتجمد.
يكشف هذا الاكتشاف أن 'شلالات الدم' لا تمثل مجرد ظاهرة جيولوجية وكيميائية فريدة، بل هي أيضًا نافذة حية على نظام بيئي مجهري قديم تمكن من الصمود والازدهار في أقسى الظروف على الأرض، منطقة معزولة تماماً وباردة قاسية، عبر مئات آلاف السنين.

























































