اخبار سوريا
موقع كل يوم -الجماهير
نشر بتاريخ: ٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
حلب. الجماهير…
حين تتحول الكلمة إلى أداة للتحريض لا تكتفي بإيذاء الأفراد بل تمزق نسيج المجتمع وتعمّق جراحه وتوسّع المسافات بين أبنائه. وقد عانى السوريون خلال سنوات الحرب من الانقسام والنزوح والفقدان وانتشار الشائعات لذلك لم تعد مواجهة خطاب الكراهية ترفًا ثقافيًا أو شأنًا هامشيًا بل أصبحت مسؤولية وطنية وأخلاقية عاجلة تتطلب وعيًا جماعيًا ودورًا فاعلًا من المراكز الثقافية والمثقفين في حماية المجتمع وإعادة بناء الثقة وفتح الطريق أمام التماسك المجتمعي.
فالمراكز الثقافية في المدن والبلدات السورية ليست أماكن للندوات والأنشطة الفنية فحسب بل يمكن أن تكون مساحات جيدة يلتقي فيها أبناء المجتمع بعد سنوات من التباعد ويستعيد من خلالها الأفراد قدرتهم على الحوار ويمكن لهذه المراكز أن تنظم حوارات شبابية وأندية للقراءة وعروضًا مسرحية تتناول آثار الحرب والنزوح وتناقش التجارب المشتركة للسوريين بما يساعد على تفكيك الصور النمطية وتعزيز تقبل الآخر.
ومع انتشار الشائعات والمحتوى التحريضي على منصات التواصل الاجتماعي تبرز الحاجة إلى برامج توعوية تعلم الشباب التحقق من الأخبار والصور قبل تداولها والتمييز بين المعلومات الموثوقة والمضللة كما يمكن للمراكز الثقافية أن تنشر محتوى رقميًا مرتبطًا بالواقع السوري يواجه الشائعات التي تزيد التوتر بين المناطق والمكونات ويشجع على الحوار المسؤول ويمنح الناس أدوات للتعامل الواعي مع الأخبار المتداولة.
أما المثقفون فتقع على عاتقهم مسؤولية أخلاقية في التصدي للأفكار التي تنتقص من كرامة الإنسان أو تحرض على فئة بسبب هويتها ويؤدون هذا الدور من خلال الكتابة الواعية والنقد المسؤول والفنون التي تكشف آثار الكراهية وتقدم نماذج للتعاون والتماسك كما أن رفض المصطلحات المهينة وتجنب التعميم يسهمان في بناء خطاب يحترم الاختلاف ويعزز المواطنة
ولا تعني محاربة خطاب الكراهية منع الاختلاف أو تقييد النقد بل التمييز بين مناقشة الأفكار والمواقف وبين إهانة الأشخاص والتحريض عليهم فحرية التعبير تكتمل بالمسؤولية حين يستند الحوار إلى الوقائع ويحترم كرامة الإنسان وحقه في التعبير.
ويتطلب تحقيق أثر ملموس تعاون المراكز الثقافية مع المدارس والجامعات ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني من خلال مبادرات مستمرة كالمسابقات الفنية التي تحتفي بالتنوع وورش العمل حول مواجهة الشائعات واللقاءات التي تجمع أبناء المجتمع لمناقشة قضاياهم المشتركة وتساعد على معالجة آثار الاختلاف في الحياة اليومية.
وفي هذا السياق تأتي حملة الكلمة تبني لتؤكد أن مواجهة الكراهية مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد وتمتد إلى المؤسسات التي تصنع الوعي وتؤثر في الرأي العام. فكل كلمة مسؤولة يمكن أن تسهم في تصحيح فكرة خاطئة أو تهدئة خلاف أو إعادة بناء الثقة بين الناس وكل مركز ثقافي قادر على تحويل المعرفة والفن والحوار إلى قوة تحمي المجتمع من الانقسام.
ويمكن لكل قارئ أن يبدأ بخطوة عملية من خلال التحقق من أي خبر قبل نشره والامتناع عن مشاركة المحتوى الذي يهين جماعة أو يحرض عليها واستخدام لغة تحترم الجميع وتشجيع مبادرات الحوار في الحي أو المدرسة أو مكان العمل كما يمكنه دعم أنشطة المراكز الثقافية والمشاركة في الندوات والورش التي تفتح مساحات للتعارف والتعاون.
إن سورية بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى ثقافة تجمع ولا تفرق وإلى مراكز ثقافية تفتح أبوابها للجميع وإلى مثقفين يجعلون من الكلمة جسرًا للتفاهم لا سلاحًا للإقصاء فالمواجهة الحقيقية لخطاب الكراهية تبدأ حين تتحول الثقافة إلى ممارسة يومية ويصبح المثقف شريكًا في حماية المجتمع ويجد الناس أماكن يستعيدون فيها قدرتهم على الإصغاء والاختلاف والتعاون والكلمة إما أن توسّع دائرة الكراهية وإما أن تفتح طريقًا نحو المصالحة ومسؤوليتنا أن نختار ما يبني مجتمعًا يحترم التنوع ويصون كرامة الإنسان ويؤمن بأن مستقبل سورية لا يُصنع بالإقصاء بل بالحوار والوعي والشراكة.




































































