اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
تقرير - شهاب
بعد ثلاث سنوات على عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحولت حرب غزة إلى اختبار واسع لنفوذ الولايات المتحدة وقدرتها على إدارة النظام الدولي، بعدما امتدت تداعياتها إلى المؤسسات الدولية والمحاكم والرأي العام العالمي، ودفعت دولاً وقوى متوسطة إلى تبني مواقف وأدوات ضغط أكثر استقلالاً عن واشنطن.
وفيما لا تزال الولايات المتحدة القوة الأبرز عسكرياً وسياسياً، أظهرت مواقف مجلس الأمن والمحاكم الدولية واستطلاعات الرأي تراجعاً في قدرتها على الإقناع، واتساع الفجوة بين نفوذها المادي وشرعيتها السياسية.
وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي صادق أبو عامر إن أحداث السابع من أكتوبر لم تُسقط الهيمنة الأميركية ولم تُنهِ نظام القطب الواحد، لكنها سرعت تحولات دولية كانت قائمة قبل الحرب، وكشفت حدود قدرة الولايات المتحدة على إدارة النظام الدولي بالقوة والنفوذ وحدهما.
وأضاف أبو عامر في حديث لوكالة شهاب أن حرب غزة أظهرت أزمة في مصداقية النظام الدولي نفسه، بعدما رأى جزء كبير من العالم تفاوتاً في تطبيق قواعد القانون الدولي وحقوق الإنسان، مشيراً إلى أن آثار ذلك انعكست خصوصاً في مواقف دول الجنوب العالمي تجاه الولايات المتحدة والغرب.
واشنطن شريك في الحرب
وأظهرت دراسة «مشروع كلفة الحرب» في جامعة براون أن قيمة المساعدات العسكرية الأميركية المقدمة لإسرائيل بلغت 21.7 مليار دولار بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وسبتمبر/أيلول 2025، فيما أشار معهد ستوكهولم لأبحاث السلام إلى أن الولايات المتحدة وفرت 68% من واردات 'إسرائيل' من الأسلحة الرئيسية بين عامي 2021 و2025.
واستخدمت واشنطن حق النقض في مجلس الأمن لإسقاط مشاريع قرارات تطالب بوقف إطلاق النار في غزة، إضافة إلى تصويتها ضد طلب حصول فلسطين على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، وفق سجلات مجلس الأمن التي أوردتها مصادر إعلامية دولية.
ويرى أبو عامر أن هذه المواقف أكدت أن الولايات المتحدة لم تكن وسيطاً محايداً في الحرب، بل طرفاً رئيسياً فيها، الأمر الذي أضعف صورتها لدى قطاعات واسعة من شعوب العالم، وأثار شكوكاً حول قدرة النظام الدولي الذي تقوده القوى الكبرى على تطبيق قواعده على الجميع.
قوة على الأرض وشرعية متآكلة
وأظهرت وقائع الحرب أن واشنطن ما زالت تملك القدرة على الضغط على 'إسرائيل' وفرض وقف لإطلاق النار عندما تقرر ذلك، إلا أن تنفيذ الترتيبات السياسية بقي محدوداً، وفق ما خلصت إليه مجموعة الأزمات الدولية في تقييمها لمسار الهدنة.
ويقول أبو عامر إن الولايات المتحدة لا تزال القوة القادرة على الفعل العسكري الحاسم وفرض بعض النتائج، لكنها تفعل ذلك بكلفة متصاعدة على مستوى الشرعية والثقة الدولية. ويضيف أن المشكلة لم تعد في صورة واشنطن وحدها، بل في الثقة بالنظام الدولي الذي تقوده.
وفي السياق نفسه، أصدرت محكمة العدل الدولية أوامر بتدابير مؤقتة في قضية جنوب أفريقيا ضد 'إسرائيل'، كما أصدرت رأياً استشارياً بشأن عدم شرعية استمرار الاحتلال، بينما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، وفق بيانات المحكمتين.
لكن تنفيذ هذه الإجراءات بقي محدوداً، في وقت فرضت فيه الولايات المتحدة عقوبات على مسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية ومقررين أمميين، بحسب البيانات الرسمية للمحكمتين والجهات المعنية. ويرى أبو عامر أن ذلك عمّق الفجوة بين ما تقرّه المؤسسات القانونية الدولية وما تستطيع القوى الكبرى فرضه على أرض الواقع.
قوى صاعدة من دون بديل جاهز
وكسبت الصين وروسيا حضوراً أكبر في الخطاب الدولي بشأن الحرب، فيما تحركت دول متوسطة عبر أدوات قانونية وسياسية واقتصادية. وقادت جنوب أفريقيا دعوى الإبادة أمام محكمة العدل الدولية، وانضمت دول أخرى إلى القضية، بينما اتخذت تركيا والبرازيل وماليزيا وإسبانيا خطوات مختلفة ضد 'إسرائيل' أو دعماً للحقوق الفلسطينية.
كما ارتفع عدد الدول المعترفة بدولة فلسطين إلى 157 دولة من أصل 193، وفق بيانات الأمم المتحدة الواردة في الملف. وشهد الموقف الغربي انقساماً واضحاً بعد اعتراف دول أوروبية بدولة فلسطين، رغم أن إجراءات الضغط على إسرائيل بقيت محدودة وقابلة للتراجع.
ويؤكد أبو عامر أن هذه التطورات لا تعني أن قطباً جديداً حل محل الولايات المتحدة، موضحاً أن الانتقال إلى عالم أكثر تعددية بدأ قبل السابع من أكتوبر بسبب صعود قوى دولية وإقليمية جديدة، بينما جاءت الحرب لتسرّع هذا الانتقال وتكشف حدود القوة الأميركية.
تراجع الصورة الأميركية
وأظهر استطلاع لمركز «بيو» في يونيو/حزيران 2026 أن 37% فقط من المستطلعين في 36 دولة ينظرون بإيجابية إلى الولايات المتحدة، مقابل 57% ينظرون إليها سلباً. كما بلغت النظرة السلبية إلى 'إسرائيل' 67% في الاستطلاع نفسه.
وفي الولايات المتحدة، أظهر استطلاع لمؤسسة «غالوب» في فبراير/شباط 2026 أن نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين بلغت 41% مقابل 36% للمتعاطفين مع الإسرائيليين، مع فارق أكبر بين الشباب والحزب الديمقراطي.
ويربط أبو عامر هذه التحولات باستمرار الدعم الأميركي لإسرائيل، معتبراً أن ذلك أضعف قدرة واشنطن على تقديم نفسها مدافعاً عن القانون الدولي وحقوق الإنسان، وأفقد النظام الذي تقوده جزءاً من شرعيته الأخلاقية والسياسية.
ما الذي تفعله فلسطين بهذه اللحظة؟
يقول أبو عامر إن القضية الفلسطينية عادت إلى قلب النقاش الدولي خلال السنوات الثلاث الماضية، لكن ليس بالضرورة بالطريقة التي يريدها الفلسطينيون. ويرى أن التحدي لا يكمن في الاحتفال بتراجع الهيمنة الأميركية، بل في تحويل التعاطف الدولي والفرص القانونية والدبلوماسية إلى مكاسب فعلية.
ويضيف أن الفلسطينيين لا ينبغي أن يبقوا مجرد موضوع في التحولات الدولية، بل يحتاجون إلى مشروع وطني موحد، ومؤسسات تمثيلية أكثر فاعلية، ورؤية سياسية قادرة على الدفاع عن حقوقهم في النظام الدولي الجديد.
وخلاصة موقف أبو عامر أن السابع من أكتوبر لم يُنهِ النظام الأميركي، لكنه كشف هشاشته وحدوده وسرّع اتجاهات الانتقال إلى عالم أكثر تعددية. أما السؤال الأهم، بحسب قوله، فهو: «ماذا سنفعل نحن كفلسطينيين في النظام الدولي الذي يتشكل من حولنا؟»

























































