اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ١٦ أذار ٢٠٢٦
فرغ الجنوب مجدّدًا، وتحوّل إلى منطقة شبه خالية بعدما اضطر أكثر من 32,901 عائلة إلى النزوح من جنوب لبنان والبقاع والضاحية بحثًا عن مناطق أكثر أمانًا. وقد بلغ عدد النازحين في مراكز الإيواء نحو 130,715 شخصا توزّعوا على 620 مركزًا في مختلف المناطق ويزداد العدد يوميا وخاصة بعد كل تهديد من العدو.
مشهد النزوح هذا أعاد إلى الأذهان صور الحرب الماضية التي كاد الجنوبيون ينسونها، قبل أن يجدوا أنفسهم مجددًا على الطرقات لساعات طويلة بعد دخول حزب الله المعركة إلى جانب إيران ضد إسرائيل.
وبينما اختار بعض الأهالي الصمود في قراهم رغم القصف، اضطر آخرون إلى افتراش الأرصفة وشوارع بيروت بعدما ضاقت بهم السبل، في ظل أزمة سكن حادة وارتفاع بدلات الإيجار، حيث لا تقل قسوة تجّار الأزمات عن قسوة الحرب نفسها.
أما مراكز الإيواء، التي كانت في الحرب الماضية تُدار إلى حدّ كبير بدعم من الأحزاب، فأصبحت اليوم تحت إشراف الدولة. وفي الشمال، وتحديدًا في زغرتا، سُجّل وجود سبعة مراكز إيواء تضم نحو 1,130 نازحًا، إضافة إلى ما يقارب 5,000 نازح يقيمون في المنازل، يعمل المعنيون على مساعدتهم عبر المساعدات التي تقدّمها الجمعيات والمتبرعون.اذ تتكفّل البلدية بالتنسيق مع الدولة والجمعيات لتأمين ما يحتاجه الضيوف، بالاضافة الى جمعية صامدون و تعاونوا والشبيبة الاهدنية و الحركة المريمية و مكتب المرده بتوجيه من الوزير فرنجيه، اذ يحاولون قدر المستطاع تأمين المواد الغذائية للمراكز و المنازل بالاضافة للفرش و الحرامات و ايضا الخدمات الطبية العيادية بالاضافة للادوية والحليب للاطفال اما جمعية كاريتاس فتؤمن الوجبات للضيوف.
في زغرتا ومحيطها، نرى ان المحبة التي جمعت الضيوف في الحرب الماضية مع ابناءها تُرجمت في هذه الحرب، اذ العلاقة معهم لم تنقطع و بعضهم اليوم استضاف الجنوبيون معهه في ذات المنزل ليتبادلوا المائدة ذاتها.
و منهم من استأجر و منهم من اتخذ من مراكز الايواء بيتا له.
فكيف هي احوال الضيوف في هذه المراكز؟
تقول الجنوبية زينب سبيتي، التي تعيش اليوم مع أهلها في أحد مراكز الإيواء في المنطقة، إنها اختارت التوجّه إلى زغرتا بعدما اضطرت إلى مغادرة منزلها بسبب الحرب الأخيرة، مستعيدةً تجربة نزوحها السابقة إلى المنطقة نفسها. وتوضح أن 'زغرتا كانت بالنسبة لنا ملجأً آمنًا في تلك الفترة، حيث لم نشعر يومًا اننا غرباء، إذ كانت كل الحاجات الأساسية متوفّرة، ولم نضطر لطلب أي شيء.'
وتضيف سبيتي :' عدت اليوم إلى زغرتا، المنطقة التي لطالما أحببتها وشعرت فيها بالطمأنينة، فوجدت أن مشاعر الترحيب نفسها لا تزال حاضرة.'وتقول إن :'أهالي المنطقة يعبّرون دائمًا عن محبتهم للجنوب وأهله، ويحرصون على الوقوف إلى جانب العائلات النازحة في هذه الظروف الصعبة.'
وتشير إلى أن 'القائمين على مركز الإيواء يعملون على تأمين ما يتوفّر من احتياجات للنازحين، رغم الإمكانات المحدودة، كما أن المعاملة الإنسانية والاحترام اللذين يلقاهما النازحون يخففان كثيرًا من قسوة النزوح. '
لافتة الى ان' زغرتا وأهلها ما زالوا كما عرفتهم دائمًا: أهل كرم وطيبة، يقفون إلى جانب من يقصدهم في أوقات الشدّة.'
في السياق عينه،تقول إحدى النازحات 'صحيح أنّ لا احد يحبّ الحرب، وصحيح أيضًا أنّ كثيرين خسروا مصالحهم وأعمالهم في الحرب الماضية، كما أنّ السيولة اليوم محدودة، خصوصًا أنّ التعويضات لم تصل إلى الجميع بعد وإذا طالت هذه الحرب فالأمر لن يكون سهلاً علينا، لكن الحقيقة أنّ الحرب لم تتوقّف فعليًا منذ ذلك الوقت، فنحن كنا نعيش دائمًا تحت تهديدات العدو، ولم نكن نعرف إن كنّا إذا خرجنا من منازلنا سنعود إليها أم لا، لأن الاستهدافات كانت تحصل يوميًا ومن حيث لا ندري”.
وترى النازحة ان:' هذه المواجهة باتت حتمية، على أمل أن تنتهي بالانتصار، و نحن لا نريد شيئًا آخر، فقط أن نعود منتصرين إلى أرضنا”. وتشير إلى ان:' في مراكز الإيواء تصلهم المساعدات بما يتوفّر لدى القائمين عليها، وإذا احتاجنا إلى أي شيء يسعى الشباب إلى تأمينه حتى ولو على حسابهم الخاص. وتختم بالقول: “الله يبارك بالشباب، ففي النهاية نحن أبناء وطن واحد، وعلينا أن نتّحد في وجه العدو. وما نراه هنا من محبّة وتضامن في هذه المراكز يشرح القلب ويعطينا أملاً أكبر”.
ورغم الهبات والمساعدات التي تصل إلى الدولة، تبقى الاستجابة محدودة أمام حجم الأزمة واتساع رقعة النزوح. فالجنوبي وابن البقاع والضاحية لم يغادروا منازلهم هذه المرة فقط خوفًا من الحرب، بل خرجوا أيضًا وهم يرزحون تحت أعباء خسارات لم تُعالج منذ الحروب السابقة. ومع اقتراب انتهاء شهر رمضان، حيث لا تصل إلى كثير من النازحين سوى وجبة واحدة يوميًا، تتزايد المخاوف من المرحلة المقبلة. فماذا بعد رمضان؟ وهل ستتمكن المساعدات المتوافرة من مواكبة تزايد الحاجات، أم أن أعداد المحتاجين ستكبر فيما تبقى الإمكانات محدودة؟ واقع يطرح علامات استفهام كبيرة حول قدرة الدولة والمجتمع على احتواء أزمة إنسانية تتسع يومًا بعد يوم.











































































