اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الأول ٢٠٢٦
خاص / شهاب
في غزة، لم تعد الرقعة مجرد قطعة قماش تُخاط فوق ثقب في ثوب، بل صارت جزءًا من الحياة اليومية؛ رقعة فوق ثوب، وأخرى فوق خيمة، وثالثة على جالون الماء، ورابعة على خزان المياه، حتى بات الغزي يحاول إبقاء الأشياء صالحة للحياة أطول وقت ممكن، لأن شراء البديل لم يعد ممكنًا أو متاحًا.
يومًا آخر
يعيش الغزي يومه على إيقاع لا يضمن له ما بعد اللحظة؛ فالموت قد يأتي دون سابق إنذار، فيما تتطلب تفاصيل الحياة منه أن يفعل العكس تمامًا مع الأشياء من حوله، فيبحث عن طريقة لإطالة عمرها يومًا آخر، ثم أسبوعًا آخر، ثم موسمًا آخر. يرقع ما تمزق، ويسد ما انكسر، ويصلح ما تسرب، ويعيد استخدام ما كان يمكن الاستغناء عنه، لأن ما يملكه قد يكون آخر ما يستطيع الوصول إليه.
يقول بشير أبو عواد لـ'شهاب' إن أطفاله يضطرون إلى سحب 'جالونات' المياه المخصصة للشرب لمسافات طويلة، ما أدى إلى تشقق بعضها من الأسفل وبدء تسرب المياه منها، موضحًا أن شراء جالون جديد يكلف نحو 45 شيكلًا، وهو مبلغ لا يملكه.
ويضيف أنه يلجأ إلى قطعة من البلاستيك لترميم مكان التلف، فيسخنها حتى درجة الغليان، ثم يضعها فوق الجزء المتضرر من الجالون، لتشكل طبقة عازلة تمنع تسرب المياه، وتسمح له باستخدام الجالون من جديد.
ولا تتوقف عمليات الترقيع عند أوعية المياه التي يستخدمها النازحون، إذ انتقلت إلى الخزانات الكبيرة التي أصبحت الطريقة الوحيدة لتخزين المياه في مناطق النزوح.
في دير البلح، يعمل فؤاد أبو وردة، وهو سباك منذ سنوات، في إصلاح خزانات المياه الكبيرة بعد نزوحه من جباليا. ويقول أبو وردة إن الخزانات السوداء تعرضت خلال الإبادة لأضرار مختلفة، بينها إصابات بالرصاص وأضرار ناجمة عن القصف والركام والدمار، ما جعل إصلاحها ضرورة بالنسبة للعائلات التي لا تستطيع استبدالها.
ويوضح أن فكرة إصلاح الخزانات برزت مع النقص في البراميل المستخدمة لتخزين المياه، بالتزامن مع أزمة المياه التي يعيشها القطاع، مضيفًا أن الحاجة إلى الحفاظ على الخزانات المتضررة جعلت ترقيعها وإصلاحها جزءًا أساسيًا من عمله.
ويتابع أبو وردة أن سكانًا من مناطق مختلفة في وسط القطاع وخانيونس يقصدونه لإصلاح خزاناتهم، بعدما ذاع اسمه في هذا العمل، وأصبح معروفًا بقدرته على التعامل مع الخزانات التي تعرضت للتلف.
فيما تحولت ماكينة الخياط شعبان طبش في سوق خانيونس المركزي إلى أداة لإصلاح الشوادر التي لم تعد قادرة على حماية أصحابها مع قدوم فصل الشتاء.
خيارها الوحيد
يشرح طبش أن أصحاب الخيام يحضرون إليه الشوادر التي تمزقت أو ظهرت فيها ثقوب، فيجمع أطرافها ويرقّع الأجزاء المتضررة بما يتوفر لديه، ويكشف أن شراء شادر جديد يكلف نحو 250 إلى 300 شيكل، وهو مبلغ لا تستطيع كثير من الأسر النازحة توفيره.
ويقول طبش: 'غالبية السكان يعيشون في خيام ذائبة بفعل شمس الصيف، ولم تعد الشوادر التي تحميهم صالحة للاستخدام، فيما لا يملكون بديلًا عنها مع اقتراب الشتاء'، لذا الجميع الآن يحاول ترقيع ما يمكن ترقيعه.
ويضيف أن زبائنه أيضًا من سكان بقايا المنازل المدمرة يقصدونه أيضًا لإصلاح الشوادر، التي يستخدمونها لإغلاق الفتحات التي خلّفها القصف والدمار في الجدران، وحماية ما تبقى من مقتنياتهم داخل تلك المنازل.
ولا تقتصر الرقعة على الخيام وأوعية المياه، إذ وصلت إلى ملابس الأطفال أيضًا، في ظل ارتفاع أسعار الملابس وغياب القدرة على شراء البديل.
تقول أمينة أبو النجا، 33 عامًا، وهي أم لخمسة أطفال، لـ'شهاب' إنها تجمع ملابس أطفالها التي تحتاج إلى إصلاح طوال الموسم، ثم تأخذها إلى أحد الخياطين في منطقة نزوحها لترقيعها وإعادة استخدامها، سيما أن أطفالها في أعمار متقاربة.
وتوضح أبو النجا أنها تعيش على شاطئ غزة بعدما أصبح منزلها وأرضها الزراعية ضمن حدود 'الخط الأصفر'، فيما استشهد زوجها وعدد من أفراد عائلته، ولم يعد لديها مصدر دخل، الأمر الذي يجعل شراء ملابس جديدة حلمًا بعيد المنال، مضيفة أن ترقيع الملابس أصبح خيارها الوحيد لكسوة أطفالها.
أما أبو أيوب النويري، فيرى أن الترقيع تجاوز إصلاح قطعة أو غرض بعينه، ليشمل معظم الأشياء التي يحتاجها الغزيون في حياتهم اليومية.
ويقول النويري لـ'شهاب': «الحياة كلها ترقيع؛ نرقع الملابس والخيام والأحذية والجالونات والخزانات، زجاج السيارات، طهو الطعام، نرقع كل شيء يمكن ترقيعه حتى تستمر الحياة».
ترقيع وإبداع
ومنوهت: 'أن البحث عن البدائل خلال الإبادة واحد من أكثر المسارات التي بحث وأبدع فيها أهل غزة حتى تستمر حياتهم وسط الظروف الكارثية التي يعيشها الجميع'.
ولا يقتصر اللجوء إلى الإصلاح وإعادة الاستخدام على محاولة تقليل النفقات، وفق الباحث الاقتصادي الفلسطيني أحمد أبو قمر، بل يعكس تحولًا أوسع في طبيعة الاقتصاد داخل قطاع غزة، فرضته ندرة السلع واضطراب الإمدادات وتراجع القدرة الشرائية.
ويقول أبو قمر إن الحرب 'لا تغيّر فقط ما يشتريه الناس، وإنما تغيّر قيمة الأشياء نفسها'، موضحًا أن ما كان يُرمى في السابق قد يتحول في ظل النقص إلى مورد له قيمة، فيما تصبح القطعة التي كان استبدالها أمرًا عاديًا شيئًا يصعب العثور على بديل له.
ويرى أن هذا التحول يفسر اتساع سلوك الإصلاح وإعادة الاستخدام في تفاصيل الحياة اليومية، إذ لم يعد المستهلك يتعامل مع الملابس أو الأحذية أو الأدوات المنزلية أو مستلزمات الخيام باعتبارها سلعًا قابلة للاستبدال بسهولة، وإنما يحاول إطالة عمر ما يملكه إلى أقصى حد ممكن، سواء بسبب ارتفاع كلفة البديل أو عدم توفره أساسًا.
ويصف أبو قمر ذلك بأنه أحد مظاهر 'اقتصاد الندرة'، حيث تصبح المشكلة الأساسية ليست ارتفاع سعر سلعة بعينها فقط، وإنما محدودية العرض وعدم انتظام الإمدادات مقارنة بالاحتياجات الفعلية للسكان.
ويشير الباحث الاقتصادي إلى أن الندرة تدفع كذلك إلى إعادة تعريف قيمة الموارد، موضحًا أن بعض المواد التي كانت هامشية أو منخفضة القيمة يمكن أن تتحول إلى مصدر دخل أو سلعة مطلوبة، مستشهدًا بسوق الأسلاك المستعملة التي تُجمع وتُفرز وتُعاد إلى التداول في ظل صعوبة إدخال كثير من المستلزمات الجديدة إلى القطاع.
وبحسب أبو قمر، فإن ما يحدث لا يمكن قراءته بوصفه مجرد قدرة على 'التدبير' أو التكيف مع الظروف، لأن استمرار هذا النمط يغير بنية السوق وسلوك الأسر معًا؛ فكلما طال نقص السلع، أصبح الإصلاح بديلًا عن الاستبدال، والمستعمل بديلًا عن الجديد، وإطالة عمر الأشياء جزءًا من إدارة الموارد اليومية للأسرة.
ولا يرى أبو قمر أن دخول كميات من السلع إلى غزة يكفي وحده للدلالة على تجاوز اقتصاد الندرة، موضحًا أن الأهم هو انتظام الإمدادات وتنوعها وقدرتها على تغطية الاحتياجات الفعلية. فحتى مع تحسن تدفق بعض السلع، يمكن أن يستمر أثر النقص على سلوك المستهلك إذا بقيت الأسعار مرتفعة أو ظلت البدائل غير متاحة بصورة منتظمة.
خبرات تتراكم
ويخلص إلى أن تحول الإصلاح وإعادة الاستخدام إلى سلوك واسع لا يعكس بالضرورة تحسنًا في القدرة الاقتصادية للأسر، بل يكشف إلى أي مدى أعادت الندرة تشكيل علاقتها بالأشياء التي تملكها؛ فالقطعة التي كانت تُستبدل أصبحت تُرقّع، وما كان يُرمى أصبح يُحفظ، وما كان يُشترى جديدًا أصبح يُبحث له عن بديل أو عمر إضافي.
ولا يتوقف أثر هذا التحول عند السوق أو سلوك المستهلك، بل يمتد إلى الطريقة التي تدير بها الأسر الغزية احتياجاتها اليومية، وفق الأخصائي الاجتماعي محمود عبد العزيز منصور، الذي يرى أن لجوء الأسر في غزة إلى إصلاح وترقيع الملابس والخيام وأوعية المياه والخزانات والأحذية لم يعد مجرد محاولة لتوفير المال، بل تحول إلى طريقة يومية لإدارة الحياة في ظل نقص البدائل وارتفاع كلفة الحصول عليها.
ويشير منصور إلى أن ذلك يظهر بوضوح في تفاصيل الحياة اليومية، إذ لم تعد الأسرة تتعامل مع الشيء التالف باعتباره انتهى، وإنما تبحث عن أي إمكانية لإعادته إلى الاستخدام.
ويعكس ذلك، بحسبه، تغيرًا في ترتيب أولويات الأسرة الغزية، فلم يعد امتلاك الأشياء الجديدة هو المهم، وإنما استمرار الموجود في أداء وظيفته، حتى لو احتاج إلى إصلاحه أكثر من مرة.
ويفسر الأخصائي الاجتماعي هذا التحول بثلاثة ضغوط متداخلة تعيشها الأسرة في غزة، هي نقص المواد، وارتفاع الأسعار، وفقدان مصادر الدخل، موضحًا أن السؤال داخل الأسرة لم يعد يقتصر على 'ماذا نحتاج؟'، وإنما أصبح أيضًا: 'كيف يمكن أن نوفره بما هو موجود لدينا؟'.
وبحسب منصور، فإن استمرار هذه الظروف يحول تلك الممارسات من حلول مؤقتة إلى خبرة يومية تتناقلها الأسر والأفراد، فتظهر مهارات جديدة لدى الناس، ويصبح الشخص القادر على إصلاح خزان أو شادر أو جالون مطلوبًا لدى الآخرين. ويرى أن ما يحدث يمثل نمطًا من التكيف فرضته الظروف المعيشية، وليس مجرد اختيار استهلاكي عادي.
ومن الناحية الاجتماعية، يوضح منصور أن استمرار هذا السلوك لفترة طويلة يغير طريقة إدارة الأسرة لاحتياجاتها، فتصبح أكثر حرصًا في استخدام الأشياء، وأكثر قدرة على إعادة توظيف ما لديها، وأكثر بحثًا عن البدائل قبل التفكير في الشراء. لكنه يشدد على أن ذلك يجري في سياق يختلف جذريًا عن الاقتصاد المنزلي الطبيعي، إذ تعيش الأسر الغزية في ظل فقدان المنازل ومصادر الدخل، والنزوح والنقص المستمر، إلى جانب فقدان أفراد منها.
في غزة، لم تعد الرقعة على الأشياء وحدها؛ فالحياة نفسها باتت تمضي بالمنطق ذاته. وبينما يسير العالم بإيقاعه المعتاد، يحاول الغزي أن يصل يومه بيومه، وأن يمنح لكل ما حوله فرصة أخرى للاستمرار. هكذا تبدو حياته اليوم: أجزاء متفرقة تجمعها الحاجة، وتبقيها الإرادة قائمة، فيما يمضي العالم من حوله وكأن شيئًا لم يتغير.

























































