اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦
من الصعب النظر إلى المشهد السوري الراهن من دون شعور عميق بالحزن والإشفاق. فسوريا، بما تمثله من ثقل تاريخي وحضاري وإنساني، تعيش مرحلة قاسية أنهكت الدولة والمجتمع، وعمّقت الانقسامات، وفتحت الأبواب أمام التدخلات الخارجية والجماعات المسلحة والاقتصاد غير المشروع. والأشد إيلاما أن السوريين، بعد سنوات طويلة من الحرب والدمار، يجدون أنفسهم أمام تحديات جديدة لا تقل خطورة عن تحديات الماضي، في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى الأمن والاحتواء وإعادة بناء الدولة.
وفي مقابل هذا المشهد المضطرب، يبرز الأردن بوصفه نموذجا مختلفا في المنطقة، فهو دولة محدودة الموارد، لكنها قوية بمؤسساتها، متماسكة في بنيتها الوطنية، واضحة في أولوياتها، وقادرة على إدارة أزماتها بعقل الدولة لا بمنطق الفوضى ورغبات الفصائل والتنظيمات. الأردن لم يكن بلد غنيا بالموارد، لكنه كان غنيا بموقفه، عميقا باخوته، وبقدرته على حماية أمنه مع الحفاظ على إنسانيته، وعلى استقبال الأشقاء رغم ثقل الأعباء التي فرضتها السنوات الصعبة.
لقد احتضن الأردن السوريين طوال أربعة عشر عاما، منذ اندلاع الحرب وحتى سقوط نظام بشار الأسد، وفتح لهم أبواب مدنه ومدارسه ومستشفياته وأسواقه. عاش السوريون فيه بين أهلهم، لا باعتبارهم غرباء أو أرقاما في سجلات اللجوء، بل عائلات وجيرانا وأصدقاء وشركاء في تفاصيل الحياة اليومية. وُلد أطفال سوريون في الأردن، وتعلموا في مدارسه، ونشأ جيل كامل وهو يعرف هذا البلد بوصفه مساحة أمان وكرامة لم يعيشوها ابائهم يوما في بلدهم الأصلي.
لهذا تبدو حملة الكراهية المفاجئة والواسعه من أطراف سوريه رسمية وشعبية ضد الأردن صادمة ومؤلمة في آن واحد. فمن غير المفهوم أن تُستباح دولة احتضنت السوريين، وأن تُشوَّه صورتها بمحتوى مليء بالحقد والبغضاء، وكأن أربعة عشر عاما من العلاقة الإنسانية يمكن محوها خلال ساعات، محتوى بلا قيود وموغل في إهانة شعب كامل، أو التشكيك في نيات دولة أثبتت مواقفها بالأفعال لا بالشعارات.
إن بعض المؤثرين في سوريا الذين اختاروا التحريض على الأردن لا يعبّرون عن السوريين الذين عاشوا التجربة الأردنية وعرفوا قيمتها. بل إنهم، في الواقع، يضرون بالسوريين قبل غيرهم؛ لأنهم يقدمون صورة مشوهة عن مجتمع أنهكته الحرب ويحتاج إلى التعاطف والثقة، لا إلى مزيد من الخصومات والعزلة. لقد أصبح هؤلاء، بخطابهم المنفلت، جزءا من المشكلة، لأنهم يبددون ما تبقى من جسور بين الشعبين ويحوّلون المنصات الرقمية إلى ساحات للثأر والتحريض.
ومن حق الأردن أن يحمي حدوده وأمنه الوطني. فالجنوب السوري، في ظل ضعف السيطرة المركزية وانتشار السلاح والجماعات المتطرفة فكريا وارهابيا وشبكات تهريب الأسلحة والمخدرات، لم يعد شأنا سوريا داخلياً فحسب. وما يخرج من هذه الفوضى عانى منه الأردن، وهدد أمنه ومجتمعه واقتصاده. لذلك فإن مواجهة المخدرات والسلاح والإرهاب ليست عدوانا على السوريين، بل دفاع عن أمن الأردن، ومساهمة في حماية السوريين أنفسهم من القوى التي تستثمر في انهيار دولتهم.
الأردن لا يملك ترف الانتظار حتى تستعيد سوريا كامل عافيتها، ولا يستطيع أن يسمح بأن تصبح حدوده رهينة لجماعات إرهابية عابرة للحدود. لكنه، في الوقت ذاته، لم يتعامل مع الأزمة السورية بعقلية المنتصر أو المتعالي. ظل حريصا على وحدة سوريا، وعلى استقرار شعبها، وعلى منع تفككها، ورفض أن تتحول مأساتها إلى فرصة للنفوذ أو الابتزاز كما فعلت اطراف أخرى في المنطقة.
وما يبعث على الفخر أن الأردن، رغم حجم الإساءة التي تعرض لها، حافظ على لغة دولة مسؤولة. فتكليف الجهات المختصة برصد المحتوى الذي يتضمن تحريضا أو إساءة للعلاقات بين البلدين، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق مرتكبيه، يؤكد أن الأردن لا يواجه خطاب الكراهية بخطاب كراهية مضاد، بل يحتكم إلى القانون. وهذه ليست علامة ضعف، بل دليل نضج وثقة بالنفس واحترام لمؤسسات الدولة.
إن الأردن يستطيع أن يكون حازما من دون أن يكون انتقاميا، وقويا من دون أن يكون متغطرسا، وإنسانيا من دون أن يفرّط بأمنه. وهذه معادلة نادرة في منطقة اعتادت أن تتحول فيها الأزمات إلى فوضى، وأن يتحول الغضب إلى استباحة للآخرين. ومن هنا، فإن الفخر بالأردن ليس مجرد انحياز عاطفي، بل تقدير لدولة أثبتت قدرتها على حماية نفسها مع الحفاظ على أخلاقها.
أما سوريا، فهي تستحق الشفقة لا الشماتة، والمساندة لا التحريض. شعبها دفع ثمنا باهظا، وخسر منازل وأبناء وأحلاما، ويحتاج اليوم إلى من يعيد إليه الأمل، لا إلى من يفتح أمامه خصومات جديدة. سوريا بحاجة إلى من يبني مؤسساتها، ويحمي وحدتها، ويعيد الثقة بين مكوناتها، ويصون قرارها الوطني، لا إلى من يهاجم الأردن ويستعدي شعبه.
الأردن ليس عدوا للسوريين، والسوريون ليسوا أعداء للأردنيين. إنهما شعبان متجاوران، جمعتهما الجغرافيا والمصاهرة والتاريخ والمحنة. وما بينهما أكبر بكثير من حملة إلكترونية أو خطاب تحريضي أو موقف سياسي عابر. لكن الحفاظ على هذه العلاقة يتطلب شجاعة أخلاقية بأن يرفض الطرفان تحويل الإختلافات إلى كراهية وفتة كبيرة خدمة لاعداء البلدين.
في النهاية، سيبقى الأردن نموذجا لدولة صغيرة بحجمها، كبيرة بمسؤوليتها، ثابتة في أمنها، راقية في خطابها، وكريمة في مواقفها. وستبقى سوريا وطنا عزيزا يستحق الخروج من أزمته، لا الغرق في مزيد من الانقسام. وبين فخر الأردنيين بدولتهم، وإشفاقهم على سوريا وشعبها، ينبغي أن تُستعاد لغة العقل، وأن تُحمى الأخوّة من أولئك الذين لا يرون في المنطقة إلا وقودا لصراعاتهم.

























































