اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ١٣ كانون الثاني ٢٠٢٦
ساهمت منذ سبعينات القرن الماضي في كتابة الأبحاث والأقاصيص الهادفة وآزرت كبار المسرحيين وتناولت قصائد رصينة لها رنين حسن يقع على الأسماع فيطربها وتهتزّ لها القلوب قبل العقول الواعية. وها أنذا أحرك قلمي أكثر فأكثر شطر أدب الخواطر في إطار فلسفتي الوجودية الملتزمة. وهذه الأيام تحتاج حقيقة إلى أمثال هذه المقاربات. وعلى من تفلسف وكتب أن يسطّر أدبا حيّا تتفاعل فيه المقولات الفلسفية وواقع الحال.
ان هذا الضرب من الأدب جدير بطبيعته المرنة المطواعة أن يتسع وعاؤه لشتى البحوث والآراء المتجددة مع مطلع كل صبح، المتطورة بتطور رسالة الثقافة والفكر. فيأتي الأسلوب سهلا ميسّرا إلى الجمهرة العظمى من عشاق الاطّلاع، مستجيبا لحاجات الفكر الإنساني المتجدّد أبدا، وللرغبات النفسية الملحّة في طلب التبيان والتفسير لكل مشكل، ولكل مطلب لها من مطالب العقل والنفس والجسم.
فالمقالة فن في الأدب وحده له سماته وخصائصه، وبالجملة ملامحه الدالة عليه المعرفة له، فيجب لكي تستوي أسلوبا وفكرة أن تجمع لها أدواتها، وأن تستتم دورتها مراحلها التكوينية جميعا، وبلا ذلك تخرج خلقا غير سويّ، لا يستسيغه حتى الذوق المريض.
وفي أدب المقالة، لا بد من قسط من الوعي في عملية خلقها، كائنا ما كان الموضوع، الذي يتناوله الكاتب. فهو حتى في لحظات إشراقه الروحي، عندما يحاول أن يسكب نفسه، وأن ينفض عنه أدق ما يخالج وجدانه من هجسات وخطرات، لا يستطيع أن يغفل شأن الوعي أو الذهن، لأن انسياب المشاعر والخواطر في الصيغ والتراكيب، لا يستتم مظهره كاملا، إلّا بعد إتقان عملية التركيز الواعي في الأداء اللفظي، بشتى صوره الموحية وظلاله المشعّة.
أدعو كل أديب حرّ أن يكون مثلا حيّا من أمثلة الشباب المثقف، المخلص لثقافته وفنه، العاكف في غير كلال، أو ملل على دنيا اطلاعه، الدؤوب دوما على مواصلة إنتاجه، في ظل وريف، من هذه الخطرات النفسية، التي تنساب مع طبيعته الحسّاسة الشاعرة انسياب الحياة في كل ما تطالعه من صور تجديدها وخلقها.
أدب الخواطر إبداع فني. فريشة الأديب الحسّاسة بطبيعتها تتقن المزج بين الألوان في انسجام وتناسق، كما ان مخيّلته دقيقة التصوير، تبلغ أحيانا في صورها مبلغ الإلهام والإشراق، وبخاصة في الصور الأخلاقية الرفيعة، والقصص التحليلية الهادفة، والمشكلات الاجتماعية ذات الحلول الإصلاحية العملية...
أدب الخواطر يغني عن المطولات بنصاعة منطقه، كما يغني عن القصص بروحه الشاعرية الجذابة. وأصحابه يرفدون ثمرات أقلامهم السلس الطيّع بمنتخبات من المنتخل المصفى. آراؤهم تتجلّى ناضجة، ومعانيهم دقيقة وقيمهم خلّاقة. وليس هذا بكثير عليهم، إذ انهم يجلون الصفحات البيضاء لكل شيء تقع عليه أبصارهم الواعية، وما تفيض به قرائحهم المتقدة ثقافات حيّة متطورة مع أحداث العالم الذي ما زال يقدّس الفكر وحرية الأقلام المجدّدة. تميط يدهم عن كل حجاب وتنفض عن الواقع التراب، وتصقل تحقيقا وتعليقا وتنسيقا بين اقتضاب وإسهاب، تزفّه تحفة أدبية تاريخيّة لذوي الألباب، ومنهلا عذبا للدارسين والطلاب.
أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه











































































