اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
ثمة جرائم لا تستطيع الكلمات أن تحيط بوجعها، ولا تستطيع العبارات مهما بلغت من البلاغة أن تردّ للروح حقها، أو أن تمسح عن قلب أمٍّ فجيعتها، أو أن تعيد إلى طفلٍ أباه، أو إلى بيتٍ دفأه الذي انطفأ فجأة برصاصة غدر. وثمة لحظات يتجاوز فيها الألم حدود المكان، فلا يعود المصاب مصاب عائلة بعينها، ولا قرية بعينها، بل يصبح جرحًا مفتوحًا في جسد الوطن، وندبة في ضمير الإنسانية جمعاء.
ما حدث في كنيسة حمود في الكرك، حين امتدت يد الغدر إلى أناس آمنين في دار للعبادة وأثناء مراسم تشييع جنازة، ليس مجرد جريمة إطلاق نار، ولا حادثًا عابرًا يمكن أن تطويه الأخبار مع انقضاء ساعات النهار؛ إنه اعتداء على الإنسان في أقدس لحظات ضعفه، وعلى حقه في أن يحزن بسلام، وأن يودّع أحباءه بكرامة، وأن يجد في دور العبادة ملاذًا للطمأنينة لا ساحة للموت والرعب. وقد أوردت التقارير الأولية سقوط ضحايا وإصابة آخرين، في انتظار ما تثبته الجهات الرسمية من تفاصيل نهائية.
إننا ندين هذا العمل الجبان بأشد عبارات الإدانة، ونستنكره بكل ما في الضمير الإنساني من رفض للقتل والعدوان، ونقول بوضوح لا يحتمل التأويل: لا دين يبرر قتل الأبرياء، ولا عقيدة تمنح أحدًا حق الاعتداء على الآمنين، ولا خلاف أو حقد أو نزعة إجرامية يمكن أن تجعل من دم الإنسان أمرًا مستباحًا.
لكن الوجع، هذه المرة، له مذاق أشد مرارة في قلوبنا نحن أبناء الكرك؛ لأن الرصاصة لم تمرّ فوق أرض غريبة عنا، ولم تسقط في مكان لا نعرفه، بل أصابت مدينة تسكن في وجداننا، وتختزن في حجارتها حكايات المجد والكرامة، وفي جبالها ذاكرة وطن، وفي أهلها تاريخًا من الشهامة والوفاء والتضحية.
يا كرك، يا مدينة التاريخ والمجد، يا التي تعلّمت من حجارة قلعتها أن الكرامة لا تنحني، ومن ذاكرة رجالها أن الوطن أكبر من الجراح، كيف لنا أن نكتب عنك اليوم من دون أن ترتجف الكلمات، وكيف لنا أن نرثي شهداءك من دون أن نشعر بأننا نرثي شيئًا في داخلنا؟
إنها ليست دماء الآخرين، وليست أرواحًا بعيدة عن أرواحنا. إنها دماؤنا نحن الكركيين، وأرواحنا نحن الأردنيين؛ لأننا، مهما اختلفت بيوتنا وبلداتنا وأسماؤنا، أبناء وجع واحد حين يُصاب الوطن، وشركاء في الحزن حين تُغتال الحياة، وأهل في المصاب حين تمتد يد الجريمة إلى أي واحد منا.
كل روح أُزهقت في ذلك المكان هي روح فقد الأردن جزءًا من سكينته، وكل دمعة سالت من عين أم أو أب أو زوجة أو طفل هي دمعة في عيوننا جميعًا، وكل مقعد سيبقى فارغًا حول مائدة عائلة هو فراغ في بيت الوطن الكبير. لا نحتاج إلى أن تجمعنا رابطة الدم حتى نشعر بأن الضحايا أهلنا؛ تكفينا رابطة الإنسانية، وتكفينا هويتنا الأردنية، وتكفينا تلك الحقيقة التي ينبغي ألا تتبدل مهما حاولت الكراهية أن تزرع بيننا المسافات: وجع الأردني ليس شأنًا خاصًا، ودمه ليس ملكًا لطائفة أو منطقة، وكرامته ليست قابلة للتجزئة.

























































