اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٢٦ أيلول ٢٠٢٦
كتب جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة
اليوم يُعقَد مؤتمر مسيحي لنصرة الجنوب برعاية النائب العام البطريركي المطران إلياس نصار، وذلك بدعوة من «مسيحيّون مستقلّون» في فندق «لوغراي» بوسط العاصمة بيروت.
تبدو الدعوة للوهلة الأولى عادية لو لم يجرِ التصويب عليها والتشكيك بمقاصدها من جهات نادراً ما تتقاطع مواقفها، وغالباً ما تتباعد لأسباب سياسية أو تنافسية مناطقية ومحلية. لكن من الضروري الإضاءة على مجموعة من الحقائق التي تجعل من نصرة الجنوب واجباً مسيحياً يستحيل تجاوزه:
أولاً: إنّ أرض الجنوب هي جزء لا يتجزّأ من لبنان الواحد، وفي الوقت عينه امتداد للجليل الذي شهد لحضور المسيح، وكان مسرحاً لمعجزاته. وليس تفصيلاً أن تكون معجزته الأولى في قانا الجنوبية، وأن تكون مغدوشه البلدة التي آوت إليها السيدة العذراء في انتظار عودة وحيدها. كما أنّ صور وصيدا حظِيتا بمرور الفادي.
ثانياً: في الحديث عن المسيحيّين والجنوب لا يمكن القفز فوق الحقائق الجغرافية، وما ترمز إليه البلدات والقرى المسيحية، وغالبيتها مارونية، والمتاخمة للحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة. فهذه البلدات مع نظيرات لها في شرقي لبنان وشماله، تعطي الدليل على الأهمية الاستراتيجية للإنتشار المسيحي على امتداد وطن الأرز.
ثالثاً: على رغم من المحاولات التي جرت مع بطريرك دولة لبنان الكبير إلياس بطرس الحويّك ومطارنته، للتخلّي عن الجنوب ومنطقة الليطاني، لدى رسم الخرائط وتعليم الحدود الدولية مع فلسطين، فإنّ الكنيسة المارونية أصرَّت على أنّ الجنوب هو جزء لا يتجزَّأ من لبنان بحدوده التاريخية. وثمة مَن قام بالأمس واليوم بتوجيه لاذع النقد لموقف الحويّك، معتبراً أنّه ارتكب خطأ تاريخياً لا يعوَّض.
وتوازياً، لا بُدّ من طرح سؤال مهمّ يحاذر الكثيرون مقاربته تفادياً لسجالات، لا تحمل في طياتها إلّا التنافر والأحقاد التي كلّفت المسيحيين كثيراً. مَن هو المخوَّل بإعطاء شهادة في «المسيحية» لهذا الطرف أو ذاك؟
ألا يتميَّز – لئلّا نقول يتفرَّد – المسيحيّون في لبنان بتعدُّديتهم السياسية وتنوُّعهم، وتعدُّد خياراتهم، وهم يمارسون قناعاتهم غير عابئين بما يتعرَّضون له من ضغوط، وذلك على رغم من عدم إجادتهم إدارة الاختلاف الذي تحوَّل في بعض المراحل إلى خلافات، حملت فرقاء منهم على حسمها أو محاولة حسمها بالعنف الدموي؟
أليس من حق أي مجموعة مسيحية أن تنتظم في أحزاب، أو تيارات، أو تنظيمات، أو تجمُّعات وحركات، طالما الدستور اللبناني يكفل لها ذلك؟
أليس بالإمكان اعتبار هذه التعدُّدية ظاهرة ديموقراطية صحيحة، شرط ابتعادها عن لغة التخوين والتشكيك، وإلصاق الاتهامات، في سعي إلى تهميش الآخر تمهيداً لإلغائه إذا تعذَّر إخضاعه؟
وهناك أيضاً سؤال أكبر، وأكثر خطورة: أين هو دور الكنيسة من كل ما يدور في الوسط المسيحي؟
والجواب: الكنيسة لا تشتغل في السياسة بمعناها الحصري والتفصيلي، وينبغي عليها – كالفاتيكان – أن تضع الأسس والركائز والمبادئ العامة للحياة الوطنية، وما يتفرَّع عنها من قضايا سياسية واجتماعية وفق الأخلاقيات والتعاليم المسيحية. وأن تكون هي حارسة الثوابت التي تقوم عليها، والتي يفترض بجميع القوى السياسية الإلتزام بها وفق طريقتها، وقراءتها.
من هنا، ثمّة مَن يدعو إلى تشكيل برلمان مسيحي يحتضن جميع القوى السياسية، والقوى الحيّة، والفاعليات الفكرية والثقافية والعلمية، تُطرَح فيه جميع الهواجس، والمشكلات، والتحدّيات التي تواجه لبنان ومصير المسيحيّين فيه. على أن يكون هذا البرلمان مسرحاً لعصف فكري، حيث يتمّ تبادل الآراء واستيلاد الحلول للأزمات الخانقة. على أن يكون ذلك تحت إشراف الكنيسة وسقف الثوابت والضوابط التي تضعها.
لم يعُد المسيحيّون يملكون ترف المضي في المكاسرة، والمواجهة بين بعضهم البعض إلى نقطة اللاعودة. إنّ مصيرهم في الدق. وأي خارج لا يُعوَّل عليه في إنقاذهم إذا لم يبادروا إلى إنقاذ أنفسهم. وغالب الظن، أنّهم باتوا يفقهون ذلك، لكنّهم لم يهتدوا بعد إلى الوسيلة القادرة على إخراجهم من واقعهم الذي لا يُحسدون عليه.
وأخيراً، فإنّ نصرة الجنوب، هو واجب على كل مسيحي. كما نصرة كل منطقة من مناطق لبنان الواحد غير القابل للتجزئة والتقسيم. إنّ مؤتمر اليوم هو حق للداعين إليه، والمشاركين فيه. كما أنّ من حق اللبنانيّين، وخصوصاً المسيحيّين، أن ينتظروا منه أن يقدِّم إضافة نوعية، تؤكّد أنّ المسيحي الذي كان حجر الأساس في بناء الكيان الوطني لا يتخلّى عن لبنان الواحد، شرط أن يجدِّد الشريك الآخر في الوطن إلتزامه بالإسهام في تبديد الهواجس التي تجعله قلقاً على غده.











































































