اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
حادثتان خلال فترة قصيرة، إحداهما في حمود بمحافظة الكرك، والأخرى في عمّان، تعيدان طرح سؤال لا يجوز أن نتعامل معه بردود الفعل وحدها: كيف نحمي الأردن من الإرهاب، وكيف نمنع نشوء الفكر الذي يقود إليه قبل أن يتحول إلى جريمة؟
رحم الله الضحايا، وحمى رجال الأمن، وحفظ الأردن وأهله.
أول ما يجب أن نقوله إن الأردن ليس دولة عاجزة أمام الإرهاب، بل يمتلك أجهزة أمنية واستخبارية ذات خبرة طويلة، ومؤسسات قادرة على حماية البلد. لكن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على إحباط العمليات وملاحقة مرتكبيها، وإنما أيضاً بقدرتها على منع ولادة التطرف وتجفيف منابعه.
وأعتقد أن المواجهة تحتاج إلى مشروع وطني شامل، لا يقتصر على الأجهزة الأمنية، بل تشارك فيه الحكومة والمدارس والجامعات والمساجد والإعلام والقطاع الخاص والمجتمع.
أولاً: المعلومة الاستخبارية قبل الرصاصة
المعركة الحديثة مع الإرهاب هي معركة معلومات بالدرجة الأولى. نحتاج إلى تطوير قدرات التحليل الاستخباري، وربط المعلومات بين المؤسسات المعنية، والاستفادة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في رصد مؤشرات التهديد، ضمن القانون والضمانات التي تحمي خصوصية المواطنين.
والأهم هو الانتقال من التعامل مع الحدث بعد وقوعه إلى اكتشاف المؤشرات التي قد تسبقه. فالمعلومة التي تصل في الوقت المناسب قد تنقذ حياة عشرات الأبرياء.
ثانياً: متابعة العائدين من السجون ومراكز الإصلاح
من الضروري وضع برامج متخصصة لمتابعة الأشخاص المدانين بجرائم إرهابية بعد انتهاء محكومياتهم، وفق تقييم فردي لمستوى الخطورة، وليس وفق أحكام جماعية.
المتابعة الأمنية والقانونية يجب أن تتكامل مع برامج إعادة التأهيل النفسي والفكري والاجتماعي، ومساعدة من يثبت تخليه عن الفكر المتطرف على الاندماج مجدداً في المجتمع.
فليس من الحكمة أن نترك شخصاً خرج من السجن بلا متابعة أو تأهيل، ثم ننتظر أن نكتشف خطورته من خلال جريمة جديدة.
ثالثاً: التعليم.. خط الدفاع الأول
لا يمكن أن ننتصر على التطرف إذا لم ننتصر على الجهل والتعصب.
نحتاج إلى مراجعة ما نقدمه لأبنائنا في المدارس والجامعات، وتعزيز التفكير النقدي، وقبول الاختلاف، واحترام الآخر، وتعليم الطلبة كيف يميزون بين الدين الحقيقي وخطاب الكراهية والتكفير.
كما يجب أن نعيد الاعتبار لدور المعلم والمرشد التربوي، وأن نفتح مساحات للحوار داخل الجامعات، بدلاً من ترك الشباب يبحثون عن إجاباتهم في منصات قد تستغل حيرتهم وتستقطبهم.
رابعاً: البطالة والإحباط والفراغ
ليس كل عاطل عن العمل متطرفاً، وليس كل فقير قابلاً للتطرف، ومن الظلم اختزال الإرهاب في الفقر أو البطالة.
لكن علينا أن نعترف بأن الإحباط وانسداد الأفق والشعور بالتهميش قد تجعل بعض الشباب أكثر عرضة للاستقطاب والاستغلال.
حين يشعر الشاب أن مستقبله مغلق، وأن المجتمع لا يمنحه فرصة أو دوراً، يصبح من واجب الدولة أن تسأل نفسها ماذا قدمت له؟
نحتاج إلى فرص عمل حقيقية، وتدريب مهني، ودعم ريادة الأعمال، وبرامج تستهدف المناطق الأقل حظاً، وإشراك الشباب في الحياة العامة.
خامساً: التوعية مسؤولية المجتمع كله
لا يجوز أن نترك مواجهة الفكر المتطرف لرجال الأمن وحدهم.
المسجد والمدرسة والجامعة والأسرة والإعلام، جميعها مؤسسات لها دور أساسي.
نحتاج إلى خطاب ديني معتدل وقادر على مخاطبة الشباب بلغتهم، وإلى إعلام لا يكتفي بتغطية الحوادث، بل يناقش أسباب التطرف وآثاره ويكشف خطاب الكراهية.
كما يجب أن ننتبه إلى الفضاء الرقمي، حيث يمكن أن تتحول منصات التواصل إلى أدوات للاستقطاب والتجنيد ونشر الأفكار المتطرفة.
سادساً: حماية النسيج الوطني
الإرهاب لا يستهدف ضحاياه فقط، بل يريد أن يضرب ثقة المجتمع بنفسه، ويزرع الخوف والشك والانقسام بين مكوناته.
ولذلك فإن الاعتداء على مواطن بسبب دينه أو هويته أو مكان عبادته هو اعتداء على الأردن كله.
حماية الكنائس والمساجد، وصون حق الجميع في ممارسة شعائرهم، وترسيخ المواطنة المتساوية، ليست مجرد شعارات اجتماعية، بل جزء من منظومة الأمن الوطني.
سابعاً: قيادة وطنية موحدة ومؤشرات أداء
نحتاج إلى إطار وطني يجمع المؤسسات الأمنية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية، بخطة واضحة وموازنات محددة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
كم شاباً استفاد من برامج التأهيل؟ كم مدرسة وجامعة نفذت برامج الوقاية؟ ما مدى سرعة تبادل المعلومات؟ وما نتائج برامج إعادة الإدماج؟
لا يكفي أن نعلن عن استراتيجية لمكافحة التطرف، بل يجب أن نعرف ماذا نُفّذ منها، وما الذي لم يُنفّذ، ومن المسؤول عن ذلك.
والأهم أن نعيد تفعيل الاستراتيجية الوطنية لمواجهة التطرف العنيف، ونحولها من وثيقة إلى برنامج عمل حقيقي.
وأخيراً.. الأردن أقوى من الإرهاب
علينا ألا نسمح لحادثتين، مهما كانتا مؤلمتين، بأن تدفعانا إلى الخوف أو التعميم أو التشكيك في مجتمعنا.
الأردن يمتلك رصيداً كبيراً من التماسك الوطني، ومؤسسات أمنية محترفة، ومجتمعاً أثبت عبر عقود قدرته على تجاوز الأزمات.
لكن علينا أن نكون صريحين مع أنفسنا: الأمن ليس دورية أمنية فقط، وليس كاميرا مراقبة فقط، وليس سجناً ومحكمة فقط.
الأمن مدرسة تعلم التسامح، وجامعة تصنع الوعي، وفرصة عمل تمنح الأمل، وأسرة تربي على الاعتدال، وجهاز استخباري يقرأ الخطر قبل وقوعه، ودولة عادلة لا تترك أبناءها فريسة للإحباط والتهميش.
لا نريد أن ننتظر العملية الإرهابية القادمة حتى نتحرك، ولا أن نكتفي بعد كل حادثة ببيانات الإدانة والتعزية.
نريد دولة تستبق الخطر، ومجتمعاً يرفض التطرف، وشباباً يؤمنون بأن مستقبلهم في وطنهم، لا في أوهام القتل والكراهية.
فمحاربة الإرهاب الحقيقية لا تبدأ عندما يرفع الإرهابي سلاحه، بل قبل ذلك بكثير، عندما نمنع الفكرة المتطرفة من أن تجد لها مكاناً في عقل شاب أردني.

























































