×



klyoum.com
lebanon
لبنان  ٢٥ نيسان ٢٠٢٦ 

قم بالدخول أو انشئ حساب شخصي لمتابعة مصادرك المفضلة

ملاحظة: الدخول عن طريق الدعوة فقط.

تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

klyoum.com
lebanon
لبنان  ٢٥ نيسان ٢٠٢٦ 

قم بالدخول أو انشئ حساب شخصي لمتابعة مصادرك المفضلة

ملاحظة: الدخول عن طريق الدعوة فقط.

تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

موقع كل يوم »

اخبار لبنان

»ثقافة وفن» جريدة اللواء»

أخلاقيّات التسمية.. والمسؤوليّة التلفّظيّة للمتكلِّم

جريدة اللواء
times

نشر بتاريخ:  الأربعاء ٢٢ نيسان ٢٠٢٦ - ٠٠:٠٨

أخلاقيات التسمية.. والمسؤولية التلفظية للمتكلم

أخلاقيّات التسمية.. والمسؤوليّة التلفّظيّة للمتكلِّم

اخبار لبنان

موقع كل يوم -

جريدة اللواء


نشر بتاريخ:  ٢٢ نيسان ٢٠٢٦ 

د. عبدالله بن علي الخطيب*

«نسمّي من أجل الآخر»، ومعنى أن نُسمّي، كما يرى بول سيبلو، «ليس أن نتموضَع تجاه الموضوع فقط، وإنّما اتّخاذ موقفٍ أيضاً تجاه تسمياتٍ أخرى للموضوع نفسه يَتّخذ من خلالها متكلّمون آخرون موقفَهم تجاهه. ويحدث من جرَّاء ذلك أن يَتموضعَ هؤلاء المتكلّمون تجاه الآخرين» (التسمية وإنتاج المعنى، Langages n° 127).

التموضُعُ تجاه الكلمة انقسمتْ حوله مواقف نظريّة (مُختلفة)؛ فثمّة مَن يعتبر «الوحدة الاسميّة وحدة مستوعبة ومشفَّرة في مجال دلالة المرجعيّة، وهي نتيجة فعل تعميدي مسبق، أو نتيجة لعادةٍ علائقيّة مُشترَكة أَفضت إلى استقرارها». وثمّة من يَميل - كما هو الحال لدى مُحلّلي الخطاب - إلى: «الاهتمام بالطريقة التي يَستخدم بها متكلّمون كلماتٍ محدَّدة في وضعيَّةٍ معيَّنة (...)، فعندما يتعلّق الأمر باختيار كلمات تَصِف وتُصنِّف حدثاً أو شيئاً أو شخصيةً، وفي الوقت نفسه نتمتّع بسلطةٍ معيَّنة، فإنّ القصديّة البراغماتيّة (الأثر الذي نُريد إنتاجه) دائماً ما تطغى على مسؤوليّة اختيار كلمات يتعيَّن على المُتحدّث اختيارها. إنّنا نبحث عن صورة توثِّر، وعن كلمة تؤلِم، وعن استعارةٍ تُدهِش من دون اكتراثٍ لمحمولات الكلمة...» (سوفي موران وريمي بوركييه: من أخلاقيّات التسمية إلى أخلاقيّات التأويل). كلّ ما نتلفّظ به يَفترِض مُراعاةَ الحدّ الأدنى من قوانين الخطاب (الصدقيّة، والتعاوُن، والملاءمة،...) التي يُتوقَّع أنّ الفاعل يوليها أشدّ درجات العناية. نُخاطب الآخر لنؤثِّر به. وبمجرّد أن يُشيَّد هذا التأثير على خطاباتٍ لا تراعي هذه القوانين، فإنّه مُهيَّأ للانزلاق مباشرةً نحو خَلَلٍ في مسؤوليّتِهِ التلفّظيّة تجاه الذي «يُسمّي من أجله».

لكنّنا أيضاً نُسمّي من أجل الذّات. تسمية الأشياء بمُسمّياتها (فعل) احترام عميق للذات. الذات التي تسعى إلى تطوير نفسها واختبارها وتطويرها هي ذات مهمومة (أخلاقيّاً) بنفسها قَبل التزامها تجاه الآخر. صيانة الذّات قد تكون السبيل الوحيد لصيانة الآخر، التسمية من أجل الذّات تعني الاشتغالَ على تشييد علاقةٍ أخلاقية معها ومن أجلها. تتلفّظ الذات بما تعتقد أنّه الحقيقة، وبما تَعتقد بأنّه مطابق للواقع بمعزلٍ عن الصواب والخطأ؛ تتموضع في فضاء الصدقيّة، انطلاقاً من أنّ النيَّة (الحسنة والسيّئة) هُما معيار ارتباط الفاعل بقول الحقيقة؛ انطلاقاً من مُسلَّمة حادّة، وهي أنّ موطن الحقيقة يجب أن يكون في الكلمة التي تُنتجها عمليّةُ التسمية.

كلُّ فعلٍ تلفّظي هو فعلُ تموضُعٍ اجتماعي، وأخلاقي، وأيديولوجي، إلى حدّ كبير؛ وكلُّ تموضعٍ من هذه «التموضعات» يَستدعي حتماً مسؤوليّةً مُحدَّدة: المسؤوليّة التلفّظيّة للمتكلّم. تتجلَّى هذه المسؤوليّة، وفقاً لنظريّة التلفّظ، في: اختياراتنا لألفاظنا، تعبيراتنا، تراكيبنا النحويّة، موقفنا تجاه مضمون الخطاب و(شكله)، وما يُحدثُه الخطابُ من تأثيرٍ في الاتّجاهات كافّة. كما أنّ تجلّيات هذه المسؤوليّة النّاتجة عن تلفُّظ الفاعل بالقول، تُفضي أيضاً إلى انخراطٍ مباشر في سلسلةٍ مُتشابِكة (أو مُتداخلة) من المسؤوليّات: تجاه الذّات، والآخرين، والمُجتمع، وتجاه المبادئ التي يرغب المُجتمع بها واختارها لتَحكُمَ تصرُّفاتِه ورؤيتَه للإنسان. يتطلّب تحقيق هذه المسؤوليّات المتشابكة وعياً شديداً بالذّات، وانهماماً دائماً بها؛ وعياً بما يُنتجه فعل التسمية من تأثيرٍ على واقع الفرد (والمجتمع) الثقافي، والسياسي، والاقتصادي.

في القرآن العظيم: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا)، تدخُّل قرآني لوضع الكلمة في موضعها والتنبيه على واقعة صريحة لإساءة تسمية الأشياء بمسمّياتها. تأخذ الآية المعنى في اتّجاه أنّ الذّات المؤمنة مختلفة عن المُسلِمة. الإيمان منزلة تَختلف عن منزلة الإسلام. مُطالَبة (الفاعل) بالالتزام بالدقّة في تسمية (وصف) الحالة بما هي عليه من دون تجاوُز المكان الدلالي الذي من المفترض أن تتموضَع به. ورود فعل التنبيه في صيغة الأمر يُحيل على أنّنا إزاء حالة صريحة لوجوب التفريق بين الحالتَيْن، وأنّ الفاعل أخطأ في التسمية. رفْضُ انحراف فعْل التسمية والدعوة إلى الالتزام بدقّتها مُرتبط بقلقِ التلقّي وبعواقبيّة الخطاب.

من الأمثلة المُستلَّة من عالَم السرد المتّصلة بمأزق التسمية ما يطرحه روبير موزيل في روايته «الرجل الذي لا خصال له»، والتي قالت عنها الشاعرة الفرنسيّة مارغريت دوراس إنّها «محاولة لكلّ شيء، كلّ شيء في العالَم». عنوَنَ موزيل الفصلَ الثالث عشر بـ «حصان السباق العبقري يؤكِّد على شعور أولريش بأنّه رجل لا خصال له». يستأنف فيه موزيل (عبر أولريش: الشخصيّة الرئيسة في الرواية) مقارباته النفسيّة والفلسفيّة انطلاقاً من تقريرٍ صحافي حول سباقٍ للخيل تضمَّن وصفاً للحصان الفائز بالسباق. «حصان السباق العبقري» شكَّل العنوان الذي اختاره الصحافي للتعبير عن (إنجاز) الحصان.

استوقَفتْ هذه العبارةُ (الملفوظ) أولريش وأخضَعها لتأمُّلٍ قائم على نوع من المَزْجِ بين التحليل العميق والسخرية المُمنْهَجة. لا تتوقّف مضامين ما يرمي إليه «موزيل» من التقاطته لهذا الخطاب عند هذا الفصل، وإنّما يمكن اعتبار هذا الفصل وما قَبله من الفصول مقدِّمةً لتحليلٍ مستفيض ومُمتدّ لمفاهيم متعدّدة، على رأسها مفهوم «العبقريّة» وكلّ ما يُحيط بظروفِ إنتاجه من خطاباتٍ اجتماعيّة وتأويلاتٍ مُحتمَلة. يتعلّق الأمر بـ «خللٍ لغويّ أخلاقيّ»، مُرتبط بالمسؤوليّة التلفّظيّة للفاعِل، أنتجه، في هذا السياق، مُمارسة عمليّات «تفريغ وتعْبئة» دلاليّة مقصودة. ببساطة، ومن دون شعورٍ بالانزعاج، يُزحْزح الفاعل «الصحافيّ» العبقريّةَ (التي تحيل على القوّة الإبداعيّة النادرة للفرد) إلى صفةٍ يُطلقها على حصانِ سباقٍ قويّ مُبرمَج على خَوْضِ هذا النّوع من المُمارسات الرياضيّة. «تبذيل» مفهوم العبقريّة أفرغه من مضامينه الكبرى، واتَّجه به بعيداً عن «حقيقته» وعن المعاني والحمولات التي استقرَّ عليها الاستعمالُ اللّغوي والاجتماعي. تذويب العبقريّة في حيوانٍ «مُبرمَج» يتمتّع بقوّةٍ جسديّة وإدراكٍ هائل، لكنّه غير مفكّر وليس بوسعه الوعي بأنّ ثمة عالَماً خارج إطار الحَلبة التي يجري بها، يَجعلنا إزاء مُخاتلةٍ لغويّة، قائمة على سلوكِ فاعلٍ غَير مُكترِثٍ بفعْل التسمية وظروف إنتاجها.

الاستعمالُ السيّئ للعبقريّة جَعَلَ «أولريش»، الذي وُلد ومعه الرغبة في أن يصبح أملاً للجمهوريّة، يُقرِّر أنّه «لم يَعُد يريد أن يُصبح أملاً». وذلك لأنّه يَرى أنّ الأملَ الوطنيّ الكبير (الإنسان النافع) يجب أن يكون في «وطن الحقيقة»؛ أي الوطن الذي يَهتمّ قَبل كلّ شيء بالعقل، وبالعِلم والعمل والإنتاج، وبنموّ المجتمع واقتداره المعرفي والعلمي، وبتحريره من الخرافات والتلاعب بالعقول، والنّأي بالنَّفس عن اللّهث خلفَ المناصب وهوَس الصعود الاجتماعي. بالنسبة إلى أولريش، أن يكون الإنسان أملاً وذا شأن يَعني أن يُكرِّس المواطنُ كلَّ طاقاته للعمل والإبداع، وفي الوقت نفسه لإدراك قيمة الفرد واحترامه بكلّ تعقيداته حتّى ولو لم تتوافق مع أحكامنا المسبقة.

أولريش لم يَعُد يَرغب في أن يُصبح أملاً يُحيل على فقدان الرغبة في العمل ومُواصَلة الاقتدار المعرفي. عندما يتوقَّف الفردُ عن الرغبة في أن يُصبح أملاً يعني توقُّفَهُ وعزوفَهُ عن الرغبة في التشييد. والتوقُّف عن التشييد قد يكون أقسى ما يُمنَى به بنو الإنسان. تسمية مَن لا يَستحقّ بما لا يَستحقّ تُحدِث سلوكاً عميقاً بعدم الرغبة عند مَن يَستحقّ. الفاعل المشتغل على نفسه ليُنتجَ ويَصعدَ بمُجتمعهِ إلى المنزلة الأخلاقيّة والإنسانيّة التي يستحقّها مُهيَّئٌ لفقدان الرغبة لأنّه (وبكلّ بساطة) لا يستطيع التماهي مع فاعل سُمّي بما لا يَستحقّ.

الحدود بين الكذب واللّااكتراث الخطابيّ

يَستحضر «موزيل» هذه العبارة (الملفوظ) ليُعبِّرَ أيضاً عمَّا وصلَ إليه خطابُ الإعلامِ بكلّ وسائله من حالةِ تقهْقُرٍ حادّة. الرغبة في التأثير تَجتاح أخلاقيّات المهنة وقيَمَ الالتزام التي تتحكّم بديناميَّاتِه، وتُحوِّله إلى مُستعمِلٍ كبير لآليّات التعميم والخلْط والاختزال. أداته الكبرى لتحقيق كلّ غاياته تكمُن في التلاعُب بالتسمية. كلمات وخطابات تتقصّد عدم تسمية الأشياء بمُسمّياتها تتحوَّل إلى خطِّ إنتاجٍ لخطاباتٍ قائمة على تجويف الكلمات والمفاهيم من حمولاتها. تجويف قصديّ للكلمات تتجلَّى عَبْرَه مخاطر خطابيّة تُحدِث تأثيراً مباشراً على نموّ الكائن الإنساني، وتُفقِده الرغبةَ في إنتاج المعرفة والعمل؛ كما يتحوَّل فيه فعلُ التسمية من ناقلٍ للحقيقة إلى موجِّه قصديّ للخطاب.

في سياقِ هذا النّوع من الممارسات الخطابيّة: هل مَارَس «الأعراب» و»الصحافي» الكذب؟ هل ما قالوه يَندرج ضمن ممارسات الكذب؟ أم إنَّ ما قيل يَندرج ضمن ما يُمكن تسميته باللّا اكتراث الخطابي أو بعبارة أدقّ انعدام قلق القول؟ خطابات الحياة اليوميّة في فضاءات العمل وفي المجالس والأماكن العامّة (المقاهي وغيرها) مُترعة بهذا النَّوع من المتلفّظين غير القلقين على ما يقولون. نُواجِه أحكاماً قيَميّة على مجتمعاتٍ بأكملها، نواجه أحكاماً قيميّة على أفرادٍ وشخصيّاتٍ عامّة، نُواجِه تعميماً كسولاً على ظاهرةٍ من الظواهر. هل ما يُمارسه هؤلاء يَندرج في مُمارسات الكذب؟ أم أنّهم مُتلفّظون غَير مُكترثين بسلطة الكلمة وما تحمله خطاباتُها من تأثير ومخاطر في الوقت نفسه؟ الكذب هو قول خلاف ما هو عليه الواقع مع قصديّة خداع الآخرين. والمسألة كلّ المسألة تكمن في سلوك «القصديّة» الذي يَرسم الحدودَ بين الكذب واللّا اكتراث الخطابي. الكذب مرتبط بديناميّات التضليل وممارساتِه الرامية إلى استنفار كلّ آليّاتها من أجل خداع الآخرين. الفاعل في سياق الكذب يتّسم باليقظة والاستبطان الكامل لمضامين الخطاب. يَعي الفاعلُ في هذه الحالة مخاطر الخطاب، ولكنّه يصرُّ على مُمارستِه من أجل تحقيق غاياته. في الكذب يَجِدُ الفاعلُ تحقيقَ غاياته وليس في قول الحقيقة. في المقابل، في سياق انعدام قلق القول واللّا اكتراث الخطابي فإنّ سلوك «القصديّة»، غالباً، غير حاضر. يُسمّي «الفاعل» حصاناً بأنّه عبقريّ من دون قصدٍ بتضليل الآخرين. فعل إساءة التسمية يتمايز عن فعلِ الكذب في ظاهره، ولكنّه يلتقي معه في جوهره. يلتقيان حول ما يُحدثه الخطابُ من تأثيرٍ «سلبيّ» على المجتمعات ونموّها الحضاري. كلاهما يُمارس فعل إساءة التسمية، الأوّل بقصديّة والآخر من دون ذلك. ولو تساءلنا عن مشعلات هذا الالتقاء في النتيجة بين فاعلَيْن لا ينطلقان من ظروف الإنتاج نفسِها، نَجِدُ (غالباً) أنّ الغايات الفرديّة والأيديولوجيّة هي التي تَحكم ظروفَ إنتاج الخطاب، بينما في الحالة الأخرى نَجِدُ أنّ عوامل مرتبطة بانفصال الفاعل عمَّا يُمكن تسميته بـ «الإحساس السليم باللّغة» مهيَّئة لإحداثِ نَوعٍ من الاعوجاج اللّغوي تَجعله أقرب إلى تشييدِ علاقةٍ مُرتبكة وغير واعية مع سلطة الكلمة ومآلاتها.

في المقابل، ثمّة نماذج لقلق القول و»توقير الحقيقة» والعناية بالتسمية. يَسرد «توماس دي كوينسي» في كتابه «أيّام إيمانويل كانط الأخيرة» ما قامَ بتجميعه من كتاباتِ بعض الذين عايشوا كانط في أيّامه الأخيرة (واسيانسكي وآخرون) تجربة كانط مع لامب (أحد الذين قاموا على خدمة كانط). كان لامب يتّسم بالحماقة والرعونة في التصرُّف، خطَّاءً حريصاً على وضْع نفسه في منزلة فوق ما يَستحقّ. مع ذلك، خصَّص له كانط في وصيّته مبلغاً سخيّاً للغاية. بعد خروج كانط للتقاعد عدلَ عن رأيه وأجرى تعديلاً على الوصيّة مُدَشِّناً التعديل بهذه العبارة: «نتيجة للسلوك السيّئ لخادمي، أعتقد أنّه من المناسب...»، ولكنّه - كما يروي كوينسي - «بعد فترةٍ وجيزة، آخذاً بعَيْن الاعتبار أنّ مثل هذه الملاحظة عن سوء سلوك لامب قد تضرُّ بمصلحته بشكلٍ جدّي، قامَ بإلغاء تلك الفقرة وعبَّر عنها بطريقةٍ لا تُبقي أيَّ أثر يدلّ على استيائه الذي كان مُحقّاً فيه تماماً» (...). ولمّا طالَب لامب كانط بأن يمنحه شهادةً مكتوبة، شَعَرَ بحَرَجٍ كبير، لأنّ توقيره الصارم للحقيقة كان يتعارض، في هذه الحالة، مع دوافعه الخيِّرة والثابتة، فجلس متوتّراً قلقاً لفترة طويلة، بينما كانت أمامه الورقة البيضاء التي سيُدلي فيها بشهادته.. فكتبَ أخيراً ما يلي، من دون أن يَعلم أنّ لامب كان يسرقه: «... لقد خَدمني لفترةٍ طويلة بإخلاص، لكنّه لم يَصبر - مع ما لديه من مؤهّلات خاصّة - على خدمة رجل عجوز ومُقعَد مثلي» (أيّام إيمانويل كانط الأخيرة، ترجمة عبد المنعم المحجوب، مسلكلياني، صـ: 41-42). يذكر كوينسي أيضاً أنّ كانط كان قلقاً للغاية، وسُرَّ لنجاته من هذا الموقف.

قلق التسمية هو أيضاً الذي جَعَلَ فيكتور هيغو يقول في خطابه حول البؤس في العام 1849 في (البرلمان الفرنسي): «البؤس، هذا الشيء الذي ليس له اسم». في هذا الخطاب التأييدي لمشروع أرماند ميلا، يُندِّد هيغو بالتقاعُس في مواجهة الفقر وعدم الوقوف مع المُهمَّشين. ما الذي حدا بفيكتور هيغو، وهو مَن هو باللّغة وبالبلاغة، أن يُعلنَ انهزامَ الكلمة أمام الواقع؟ هل الواقع أكبر من الكلمة؟ ما نسمعه في حياتنا اليوميّة من حيرة المتكلّم عن التعبير إزاء واقعة معيَّنة أو حدثٍ معيَّن بقوله: تَعجز الكلمات عن وصف ما أشعر به (أو شيء من هذا القبيل) قد يكون مرتبطاً بحقيقة أنّ للكلمة نطاقها وحدودها. تُساير الواقع إلى حدٍّ معيّن لكنّها في لحظة خطابيّة (إنسانيّة) تَخذل الفاعل الذي لا يَجِد فيها ما يروي بها ظمأه الدلالي والإنساني. عدولُ هيغو عن التسمية إعلانٌ لتقهقر الكلمة أمام فداحة واقع البؤس. تموضُع هيغو دون الكلمة ناجم عن شعور حادّ بمسؤوليّةٍ تَلفُّظيّة عميقة تجاه التسمية من أجل الذّات والآخر. شعورٌ وقلقٌ خطابيّ عبَّر عنهما بعد قَرنٍ من الزمان، تقريباً، ألبير كامو بقوله: «إنّ إساءة تسمية الأشياء بمسمّياتها يعني إضافةَ مصيبةٍ إلى مصائب العالَم». أو بترجمةٍ أخرى: «إنّ تسميةَ شيءٍ ما بشكلٍ خاطئٍ هو إضافةٌ إلى تعاسةِ هذا العالَم».

ما يُميِّز «نظريّة التلفُّظ» تركيزها على «الفاعل» وممارساته التلفظيّة. وطالما أنّ الحقيقة في الكلمة، فإنّ الفاعل «المُتلفّظ» هو المسؤول الأوّل قَبل غيره عن علاقة الكلمة بالحقيقة. دراسة «الفاعل» لم تَحظَ بما حظِيَ به فعلُ التلقّي، وما يُحدثه الخطاب من تأثير. ولذلك، نَفترض أنّ تكثيفَ التركيز على دراسةٍ كفيلٌ بأن يُقدِّم لنا مفاتيح أسباب الخَلل الذي يعتري «الفاعل» من زاوية مسؤوليّته التلفّظيّة تجاه الكلمة والخطاب. أخلاقيّات التسمية في قلب الأخلاقيّات اللّغويّة متّصلة (بالإضافة إلى ما تمَّت الإشارة إليه) بظواهر متعدّدة، من بينها العلاقة مع المجاز والاستعارات، وما قد يُحدثه الخَلَلُ في استعمال المجاز وتصوير الأشياء في غير موضعها. خلل التسمية هو حتماً خللٌ متّصل باختياراتنا المجازيّة (حصان السباق العبقري.. وغيرها من النماذج المشابهة) هو في الوقت نفسه إساءة تسمية ناتجة عن خللٍ في استعمال المجاز. ثمّة تشابُكٌ لغوي «خطابي» بين فعْل التسمية وفعْل الوصف، غير أنّ فعْلَ التسمية يُشكِّل فضاءً يتضمَّن فعلَ الوصف بما هو «ذكر الشيء بما فيه من أحوال وهيئات» وفي الوقت نفسه، يتجاوزه نحو تماهي الفاعل مع الكلمة وظروف إنتاجها وتأويلاتها اللّغويّة والأخلاقيّة والأيديولوجيّة الـ «مؤجَّلة».

* أكاديميّ مختصّ في اللّغويات من السعوديّة

(يُنشر هذا المقال بالتزامن مع دورية «أفق» الإلكترونيّة الصادرة عن مؤسّسة الفكر العربيّ)

جريدة اللواء
اللواء جريدة لبنانية، يومية، سياسية،عربية. اللواء: جريدة لبنانية يومية سياسية تهتم بالشؤون العربية والإقليمية والدولية
جريدة اللواء
موقع كل يومموقع كل يوم

أخر اخبار لبنان:

إجتماعات "الربيع"… الإنطباع ذاته يتكرّس

* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.

موقع كل يوم
38

أخبار كل يوم

lebanonKlyoum.com is 2367 days old | 897,321 Lebanon News Articles | 15,233 Articles in Apr 2026 | 129 Articles Today | from 58 News Sources ~~ last update: 29 min ago
klyoum.com

×

موقع كل يوم


مقالات قمت بزيارتها مؤخرا



أخلاقيات التسمية.. والمسؤولية التلفظية للمتكلم - lb
أخلاقيات التسمية.. والمسؤولية التلفظية للمتكلم

منذ ٠ ثانية


اخبار لبنان

بلومبرج: 32 من المباني المتضررة في طهران تابعة للجيش و25 للصناعات العسكرية والدفاعية - eg
بلومبرج: 32 من المباني المتضررة في طهران تابعة للجيش و25 للصناعات العسكرية والدفاعية

منذ ٥ ثواني


اخبار مصر

ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية - iq
ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية

منذ ١٠ ثواني


اخبار العراق

وزير خارجية روسيا: أميركا تتجاهل الاتفاقيات الدولية وتسعى وراء مصالحها - kw
وزير خارجية روسيا: أميركا تتجاهل الاتفاقيات الدولية وتسعى وراء مصالحها

منذ ١٥ ثانية


اخبار الكويت

الدولار يلامس أعلى مستوياته منذ أسبوع وسط شكوك حول الهدنة - qa
الدولار يلامس أعلى مستوياته منذ أسبوع وسط شكوك حول الهدنة

منذ ٢٠ ثانية


اخبار قطر

وزير الاتصالات السعودي يبحث مع رئيس إريكسون تعزيز الاستثمارات - sa
وزير الاتصالات السعودي يبحث مع رئيس إريكسون تعزيز الاستثمارات

منذ ٢٥ ثانية


اخبار السعودية

مأزق ترامب بين ضغوط الحصار ومعادلة المضائق - lb
مأزق ترامب بين ضغوط الحصار ومعادلة المضائق

منذ ٣٠ ثانية


اخبار لبنان

 نصية سيرة عمارة اليمني الذاتية ... الباحث عبد الحكيم باقيس ينبش في أول سيرة ذاتية تراثية - tn
نصية سيرة عمارة اليمني الذاتية ... الباحث عبد الحكيم باقيس ينبش في أول سيرة ذاتية تراثية

منذ ٣٥ ثانية


اخبار تونس

أميركا تمنع نشر بحث حول فعالية لقاح كورونا.. اليكم السبب - lb
أميركا تمنع نشر بحث حول فعالية لقاح كورونا.. اليكم السبب

منذ ٤٠ ثانية


اخبار لبنان

ترامب يعلن تمديد وقف إطلاق النار مع إيران - jo
ترامب يعلن تمديد وقف إطلاق النار مع إيران

منذ ٤٥ ثانية


اخبار الاردن

 يونايتد إيرلاينز تدرس رفع أسعار التذاكر 20 لمواجهة ارتفاع الوقود - iq
يونايتد إيرلاينز تدرس رفع أسعار التذاكر 20 لمواجهة ارتفاع الوقود

منذ ٥٠ ثانية


اخبار العراق

بعد اختطافه قبل خمسين عام .. ابن يعود إلى اهله في العدين بمحافظة إب - ye
بعد اختطافه قبل خمسين عام .. ابن يعود إلى اهله في العدين بمحافظة إب

منذ ٥٥ ثانية


اخبار اليمن

الراعي: المفاوضات خالية من أي تفريط بحقوق لبنان - lb
الراعي: المفاوضات خالية من أي تفريط بحقوق لبنان

منذ دقيقة


اخبار لبنان

رغم تهديدات ترامب.. إيران تواصل زرع الألغام في مضيق هرمز - ma
رغم تهديدات ترامب.. إيران تواصل زرع الألغام في مضيق هرمز

منذ دقيقة


اخبار المغرب

عن قتال حزب الله في الحرب الأخيرة هذا ما قاله تقرير إسرائيلي - lb
عن قتال حزب الله في الحرب الأخيرة هذا ما قاله تقرير إسرائيلي

منذ دقيقة


اخبار لبنان

المغرب: زيادة محاصيل الحبوب إلى 9 ملايين طن بعد جفاف 7 سنوات - ly
المغرب: زيادة محاصيل الحبوب إلى 9 ملايين طن بعد جفاف 7 سنوات

منذ دقيقة


اخبار ليبيا

 طاقة أبوظبي : 160 مليار درهم مستهدفات استثمارية خلال 5 سنوات - ae
طاقة أبوظبي : 160 مليار درهم مستهدفات استثمارية خلال 5 سنوات

منذ دقيقة


اخبار الإمارات

استهداف المنصة التي أطلقت منها قذائف باتجاه شتولا (فيديو) - lb
استهداف المنصة التي أطلقت منها قذائف باتجاه شتولا (فيديو)

منذ دقيقة


اخبار لبنان

الذهب يتعافى طفيفا بعد تمديد الولايات المتحدة الهدنة مع إيران - om
الذهب يتعافى طفيفا بعد تمديد الولايات المتحدة الهدنة مع إيران

منذ دقيقة


اخبار سلطنة عُمان

أسامة كمال: السيادة الرقمية تتحول إلى عقيدة أمن قومي.. والبيانات ساحة الصراع الجديدة - eg
أسامة كمال: السيادة الرقمية تتحول إلى عقيدة أمن قومي.. والبيانات ساحة الصراع الجديدة

منذ دقيقة


اخبار مصر

سفيرة الأردن لدى واشنطن: القطاعان العام والخاص سيستفيدان من اتفاقات أرتميس - jo
سفيرة الأردن لدى واشنطن: القطاعان العام والخاص سيستفيدان من اتفاقات أرتميس

منذ دقيقة


اخبار الاردن

جمعية عدل ورحمة زارت قيادة الدرك في بيروت وعرضت تقريرها السنوي وبحثت اوضاع السجون - lb
جمعية عدل ورحمة زارت قيادة الدرك في بيروت وعرضت تقريرها السنوي وبحثت اوضاع السجون

منذ دقيقة


اخبار لبنان

نجاة مواطن من حادث انقلاب مروع - ye
نجاة مواطن من حادث انقلاب مروع

منذ دقيقة


اخبار اليمن

محدث شهيد وإصابات بنيران الاحتلال شمالي قطاع غزة - ps
محدث شهيد وإصابات بنيران الاحتلال شمالي قطاع غزة

منذ دقيقة


اخبار فلسطين

بيتكوين تقفز إلى أعلى مستوياتها منذ 11 أسبوعا - ae
بيتكوين تقفز إلى أعلى مستوياتها منذ 11 أسبوعا

منذ دقيقتين


اخبار الإمارات

الخطوط الجوية البريطانية ترفع أسعار التذاكر بسبب تكاليف وقود الطائرات - ma
الخطوط الجوية البريطانية ترفع أسعار التذاكر بسبب تكاليف وقود الطائرات

منذ دقيقتين


اخبار المغرب

تصريح صادم من مراسل الجزيرة بشان ظهور عيدروس الزبيدي - ye
تصريح صادم من مراسل الجزيرة بشان ظهور عيدروس الزبيدي

منذ دقيقتين


اخبار اليمن

ما وراء مليارات بافيت.. قاعدة استثمارية ستغير مستقبلك المالي - ae
ما وراء مليارات بافيت.. قاعدة استثمارية ستغير مستقبلك المالي

منذ دقيقتين


اخبار الإمارات

بنك مسقط يتصدر نشاط التداول قيمة وحجما في بورصة مسقط جلسة الاثنين - om
بنك مسقط يتصدر نشاط التداول قيمة وحجما في بورصة مسقط جلسة الاثنين

منذ دقيقتين


اخبار سلطنة عُمان

عقوبة استغلال الأراضي الزراعية في إقامة المحاجر - eg
عقوبة استغلال الأراضي الزراعية في إقامة المحاجر

منذ دقيقتين


اخبار مصر

 الحزب يهدد استقرار سوريا - lb
الحزب يهدد استقرار سوريا

منذ دقيقتين


اخبار لبنان

الأردن تستأنف ضخ الغاز إلى سوريا عبر أراضيها - sy
الأردن تستأنف ضخ الغاز إلى سوريا عبر أراضيها

منذ دقيقتين


اخبار سوريا

الرئيس السوري: إغلاق مضيق هرمز خطر كبير على المنطقة والعالم - ae
الرئيس السوري: إغلاق مضيق هرمز خطر كبير على المنطقة والعالم

منذ دقيقتين


اخبار الإمارات

وزارة العدل الأمريكية توقف التحقيق الجنائي مع رئيس الاحتياطي الفيدرالي - om
وزارة العدل الأمريكية توقف التحقيق الجنائي مع رئيس الاحتياطي الفيدرالي

منذ دقيقتين


اخبار سلطنة عُمان

طهران: لن نسمح بتصدير النفط من المنطقة إذا حرمنا من تصدير نفطنا - jo
طهران: لن نسمح بتصدير النفط من المنطقة إذا حرمنا من تصدير نفطنا

منذ دقيقتين


اخبار الاردن

إصابة طفلة وقصف متجدد.. الاحتلال يواصل انتهاك وقف إطلاق النار في غزة - ps
إصابة طفلة وقصف متجدد.. الاحتلال يواصل انتهاك وقف إطلاق النار في غزة

منذ دقيقتين


اخبار فلسطين

حماس: تصعيد مجرم الحرب نتنياهو القصف على غزة فشل للوسطاء وتقاعس من الضامنين عن وقف الجرائم - ps
حماس: تصعيد مجرم الحرب نتنياهو القصف على غزة فشل للوسطاء وتقاعس من الضامنين عن وقف الجرائم

منذ ٣ دقائق


اخبار فلسطين

وزارة الصحة اللبنانية: مقتل 6 أشخاص جراء غارات إسرائيلية على الجنوب خلال الساعات الـ24 الماضية - lb
وزارة الصحة اللبنانية: مقتل 6 أشخاص جراء غارات إسرائيلية على الجنوب خلال الساعات الـ24 الماضية

منذ ٣ دقائق


اخبار لبنان

* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.






لايف ستايل