اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦
تتفاقم آفة الغضب يومًا بعد يوم في مجتمعنا. لماذا؟ سؤال مشروع، بل هو سؤال يُطرح بإلحاح على ضمير شعبنا، الذي بات سريع الغضب، شديد الانفعال، وكأن الغضب أصبح اللغة السائدة في علاقات الناس بعضهم ببعض.لم يعد للعقل متّسع، ولا للحكمة مكان، بل أضحى الغضب سيّد الموقف، وصار الانفعال يسبق التفكير، وردّة الفعل تسبق التروّي. فما هذا الانفعال النفسي والجسدي الذي يستولي على الإنسان عند كل شعور بالاستفزاز، أو عند التعرّض لضرر أو تهديد أو حتى مجرّد اختلاف في الرأي؟
في جوهره، الغضب شعور إنساني طبيعي، قد ينشأ من رؤية ظلم، أو مواجهة خطأ، أو التعرّض لإساءة. لكن المشكلة تبدأ عندما يفقد الإنسان السيطرة على هذا الشعور، فيتجاوز حدود اللياقة والاتزان، ويتحوّل إلى إساءة وانتقام. وهذا ما بات مستباحًا في نفوس وعقول كثيرين من اللبنانيين، الذين فتحوا قلوبهم للغضب، وتركوه يتراكم ويتجذّر في داخلهم، من دون أن يسعوا إلى معالجة المشكلات أو المصالحة أو المسامحة. وهكذا تحوّل الغضب إلى حقد وكراهية، وإلى صراخ وشتائم وألفاظ نابية ورغبة في الأذى، حتى جعل من البعض أسرى غرائزهم، بعيدين كل البعد عن الحكمة والوداعة وروح الإصلاح.
لقد تجاوزت انفعالات شريحة واسعة من مجتمعنا كل حدود اللياقة والضوابط الأخلاقية. ويمكننا أن نتفهّم الغضب بوصفه طبيعة بشرية وانفعالًا إنسانيًا طبيعيًا عند التعرّض لموقف مزعج أو لظلم. فالغضب، في حدّ ذاته، ليس خطيئة، ما دام تعبيرًا عن رفض الخطأ والسلوك غير السوي، ولم يتحوّل إلى أداة للإساءة أو الانتقام. لكن ما نشهده اليوم تخطّى كل الخطوط الحمراء، وانتقل من مجرّد انفعال أو خلل في السلوك إلى خطيئة في حقّ الله والإنسان الآخر.
فكيف نواجهه ونردعه؟
يضع الرسول بولس أمامنا وصيّة بالغة العمق والواقعية، إذ يقول في رسالته إلى أهل أفسس: «اِغْضَبُوا وَلَا تُخْطِئُوا. لَا تَغْرُبِ الشَّمْسُ عَلَى غَيْظِكُمْ» (أفسس ٤: ٢٦).
قد يغضب الإنسان من تصرّف ابن عاق، أو من إهانة يتعرّض لها، أو من حقّ يُسلب منه، أو من ظلم يقع على إنسان آخر. لكنّ الرسول يضع حدًّا واضحًا بين الغضب والخطيئة: اغضبوا، ولكن لا تخطئوا. أي لا تسمحوا للغضب بأن يدفعكم إلى الشتم أو اللعن، أو التفكير في الانتقام، أو تغذية مشاعر الكراهية والعداوة في قلوبكم. فليس المطلوب أن يفقد الإنسان إحساسه بالخطأ أو أن يصمت أمام الظلم، بل ألّا يتحوّل رفضه للشرّ إلى شرّ آخر يرتكبه هو.
ثم يضيف الرسول: «لا تغرب الشمس على غيظكم». وكأنّه يدعونا إلى ألّا نبيت والغضب يسكن قلوبنا، وألّا نسمح للخلاف بأن يتحوّل إلى قطيعة، وللإساءة بأن تصبح عداوة، وللجرح بأن يتحوّل إلى حقد. فإذا سقطنا في الغضب الخاطئ، فلنسارع إلى المصالحة والتسامح، ولنبادر إلى الاعتذار وإعادة بناء جسور التفاهم والمحبة قبل أن ينتهي النهار. فالمصالحة لا تعني دائمًا أنّنا كنا على خطأ، بل تعني أنّنا لا نريد للغضب أن يكون أقوى من المحبة، ولا للخلاف أن ينتصر على العلاقة الإنسانية.
فليرتسم نور وجهك، يا الله، على شعبنا، ولا تسمح لنا بأن ننقاد إلى غرائزنا، فنحوّل الغضب إلى خطيئة، والاختلاف إلى عداوة، والجرح إلى رغبة في الانتقام. امنحنا يقظة القلب وصفاء الفكر، لكي نتنبّه إلى كل غضب خاطئ، ونندم على كل إساءة ارتكبناها قولًا أو فعلًا أو فكرًا، ونتعلّم أن نضبط انفعالاتنا قبل أن تضبطنا، وأن نطفئ نار الغضب قبل أن تحرق ما تبقّى فينا من محبة.
لعلّنا بذلك نستحقّ أن ننعم بالخيرات التي وهبتنا إياها في مجتمعنا وبلدنا، وأن نعيد إلى علاقاتنا الإنسانية شيئًا من دفئها ونقائها، فتسود المحبة بدلًا من الكراهية، والحكمة بدلًا من التسرّع، والهدوء والارتياح والسكينة بدلًا من الغضب والانفعال.
فليس القويّ مَن ينتصر في لحظة غضب، بل مَن ينتصر على غضبه. وليس مَن يفرض صوته على الآخرين هو الأقوى، بل مَن يستطيع أن يحفظ قلبه من الكراهية ولسانه من الإساءة.
والسبح لله دائمًا.











































































