اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
حلّ مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان ضيفًا على دار إفتاء طرابلس والشمال اليوم، وسط الجدل القضائي الدّائر حول تمديد ولايته، وعقد اجتماعًا مع مفتيها الشيخ محمّد إمام، بحضور عدد من نوّاب المدينة، علمائها وفعالياتها.
في الواقع، بدت زيارة المفتي لافتة بتوقيتها، في ظلّ ظروف حساسة ترتبط بموقعه والهالة المحيطة بهذا المنصب الذي يُمثّل الطائفة السنّية، وسط حملات سياسية وإعلامية يتعرّض لها منذ فترة، كما كانت لافتة بمضمونها، حيث نأى دريان بنفسه عن السياسة تمامًا في كلمته، متجنّبًا أيّة إشارة سياسيّة أو قضائية إلى مصير ولايته، وذلك على الرّغم من ترقّب البعض لهذه 'اللقطة'، مؤكّدًا ذلك بقوله: 'التزمت مع نفسي بألّا أتكلّم في السياسة في هذا اليوم، وإنّما هناك قضايا ملحّة تطرّقت إليها في كلمتي'.
وركّز دريان في كلمته على ملفات طرابلسيّة إنمائية واجتماعية، تتقاطع مع دور السياسيين والقوى الإدارية في المدينة، ممثّلة بالبلدية واتحاد بلديات الفيحاء، فرفض أنْ تكون 'العاصمة الثانية' مرتعًا للنفايات، داعيًا الدّولة إلى القيام بواجبها تجاه المدينة وأهلها، ومطالبًا بلدية طرابلس واتحاد البلديات بدور فاعل لرفع المعاناة عنها، كما وجّه رسالة إلى فعاليات المدينة ومرجعياتها لتوحيد الرؤية والعمل.
وفي حين التزم دريان بعدم الخوض في السياسة، لم يلتزم مضيفه الشيخ إمام بالمقاربة ذاتها، إذْ تناول في كلمته التي سبقت كلمة دريان، صلب الجدل الدّائر، وبدا مدافعًا شرسًا عن المفتي وموقعه. ووجّه رسالة واضحة لا مواربة فيها، في دعم دريان، وذلك دون أن نغفل، بأنّ موقفه يكتسب ثقلًا إضافيًا لكونه نائب رئيس المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وهو الجهة التي أصدرت قرار التمديد المطعون فيه، وقد أشار دريان إلى هذه النّقطة في كلمته أيضًا.
وفي هذا السياق، قال إمام: 'نقول يعني الشورى… الشورى عندنا في الإسلام، في القرآن الكريم جاءت هذه الكلمة، ونحن نُعلّم النّاس الشورى والمشورة من قبل أنْ يكون لها مجالس'، مؤكّدًا دعم طرابلس لمرجعية المفتي بوصفها حاضنتها الفاعلة وطنيًا ودينيًا، مضيفًا: 'سماحته هو المرجع الأعلى والأوّل إسلاميًا ووطنيًا، نحن نراه كذلك. ويكون سماحته وهذا المقام السامي يلعب هذا الدور الركن والأساس في وطننا إسلاميًا ووطنيًا عندما نلتفّ جميعًا حوله، وعندما يستمدّ من حاضنته وساحته تلك الأمور التي تجعل من هذا المقام يتمتّع بكلّ ما يليق به من هالة وحضور ودور متقدّم'… وبذلك، مرّر إمام رسائل سياسية، لم يتبنّ المفتي نصّها، لكنّها أشارت إلى نقطتيْن أساسيتيْن: دعم المفتي سياسيًا ودينيًا من مدينة تتمتّع بثقل سنّي بارز، وتأكيد تماسك المؤسسة الدّينية من طرابلس إلى بيروت.
وفي الأوساط الطرابلسية التي ترى في الزيارة بُعدًا سياسيًا جوهريًا، وبيْن من يعدّونها زيارة عادية تأتي في وقتٍ تُعاني فيه المدينة من ملفات وأزمات كثيرة، يبقى التوقيت هو مدار القراءتين.
من هنا، تكتسب الزيارة، التي لا تبدو بروتوكولية أو معتادة، دلالتيْن أساسيتيْن:
أوّلًا، رفض الفراغ أو أيّة محاولة لعرقلة دور المفتي أو التقليل من شأنه أو إحداث أيّ انقسام. فالزيارة، وما رافقها من مواقف مؤيدّة لدريان، تُوحي بتمسّك باستمرارية دوره في هذه المرحلة الحساسة، وبترسيخ وحدة الإفتاء في مختلف المناطق، وهو ما تجلّى في وصفه دور الإفتاء بأنها 'دار واحدة'، بمعزل عن الجدل القانوني الدائر.
ثانيًا، ترسيخ مرجعية دار الفتوى بوصفها مؤسسة دينية جامعة، تُشكّل كلمتها المرجعية العليا على الصعيديْن السنّي والوطني، خصوصًا في لحظة قانونية وسياسية حاسمة.
وفي المقابل، يرى متابعون في المدينة أنّ للزيارة دلالة أُخرى. ويُؤكّدون أنّ مدينتهم عانت لأعوام من أزمات متراكمة من دون أنْ تنجح أيّة جهة في إنقاذها، كما عبّرت مرارًا عن حاجتها إلى رعاية دينية تُسهم في معالجة أزماتها ودعم الحلول لها، ويُشير هؤلاء إلى أنّ مطالبات سابقة لأهالي المدينة بزيارة مفتي الجمهورية لها لم تُلبّ أساسًا، مشدّدين على أنّ هذا التساؤل لا ينتقص من مقام المفتي، بل يعكس شعورًا لدى شريحة من أبناء المدينة بأنّ توقيت الزيارة منحها قراءة أو أبعادًا سياسية تتجاوز مضمونها المُعلن.











































































