اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ٢١ تموز ٢٠٢٦
خاص الهديل..
بقلم: محمد طارق عفيفي
منذ الهجوم الياباني على قاعدة بيرل هاربر عام 1941، والذي غيّر مسار الحرب العالمية الثانية ودفع الولايات المتحدة إلى دخولها بكل ثقلها العسكري، أصبح هذا الحدث رمزًا لما يسميه خبراء الاستراتيجية بـ”الضربة التي تمنح الخصم شرعية الرد الكامل”. واليوم، ومع تصاعد التوتر في الخليج، يطرح عدد من المراقبين سؤالًا لم يعد مستبعدًا في دوائر التحليل الجيوسياسي: هل يمكن أن يتحول مضيق هرمز إلى بيرل هاربر جديدة؟ وهل تقع إيران في فخ يمنح واشنطن المبرر للانتقال إلى مرحلة مختلفة تمامًا من المواجهة؟
هذا السيناريو لا يعني بالضرورة أنه سيقع، لكنه أصبح جزءًا من النقاشات الاستراتيجية التي تبحث في كيفية تطور أي مواجهة واسعة في الخليج. فإذا أقدمت إيران أو أحد حلفائها على تنفيذ هجوم واسع يستهدف القوات أو القواعد أو المصالح الأميركية في المنطقة، أو أدى إلى شلل كامل في الملاحة داخل مضيق هرمز، فإن ذلك قد يغيّر قواعد الاشتباك بصورة جذرية، تمامًا كما غيّر هجوم بيرل هاربر طريقة تعاطي الولايات المتحدة مع الحرب العالمية الثانية.
الفرق أن العالم اليوم يعيش في عصر مختلف تمامًا. فالحروب لم تعد تُقاس فقط بعدد الجنود أو الطائرات، بل بحجم التأثير الاقتصادي والسيبراني والطاقة والأمن العالمي. ومضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل هو شريان يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، وأي اضطراب كبير فيه سيؤدي إلى ارتدادات تتجاوز الخليج لتصل إلى كل اقتصاد يعتمد على الطاقة، من آسيا إلى أوروبا والولايات المتحدة.
لكن السيناريو الأخطر لا يتوقف عند إغلاق المضيق أو استهداف السفن، بل يتمثل في احتمال توسع العمليات العسكرية لتشمل منشآت استراتيجية داخل إيران، بما فيها المنشآت النووية. وهنا تبدأ مرحلة مختلفة تمامًا، لأن أي هجوم يؤدي إلى تضرر منشآت تحتوي على مواد نووية قد يخلق أزمة بيئية وإشعاعية معقدة، تختلف طبيعتها بحسب حجم الأضرار ونوع المواد الموجودة وآليات الحماية واتجاه الرياح والتيارات البحرية. ولا يعني ذلك بالضرورة تكرار كوارث تاريخية مثل تشيرنوبيل أو فوكوشيما، إلا أن مجرد احتمال حدوث تلوث إشعاعي واسع سيكون كافيًا لإثارة مخاوف إقليمية ودولية كبيرة.
وفي حال وقع مثل هذا السيناريو، ستكون دول الخليج أول من يراقب تطوراته بقلق بالغ، ليس فقط بسبب القرب الجغرافي، بل لأن مياه الخليج تمثل المصدر الأساسي لمحطات التحلية التي تؤمن المياه لملايين السكان، فضلًا عن ارتباط اقتصادات المنطقة بالملاحة والطاقة والتجارة البحرية. كما أن أي تلوث كبير، إذا حدث، سيعتمد تأثيره على عوامل علمية متعددة، أبرزها اتجاه الرياح، والتيارات البحرية، وطبيعة المواد المتسربة، لذلك لا يمكن الجزم مسبقًا بحجم التأثير أو الدول التي قد تتضرر.
وفي المقابل، قد تكون التداعيات الاقتصادية أكثر سرعة من أي تداعيات بيئية. فمجرد توقف الملاحة أو ارتفاع مستوى المخاطر الأمنية سيدفع أسعار النفط والغاز إلى مستويات غير مسبوقة، وسترتفع تكاليف النقل والتأمين البحري، وقد تدخل الأسواق العالمية في موجة اضطرابات جديدة، بينما ستواجه الاقتصادات الكبرى تحديًا في تأمين احتياجاتها من الطاقة.
ويبقى السؤال الأكثر حساسية: إلى أي مدى يمكن أن يذهب الرد الأميركي إذا تعرضت مصالحه لهجوم كبير؟ لا توجد إجابة حاسمة، لأن أي قرار من هذا النوع تحكمه اعتبارات سياسية وعسكرية وقانونية معقدة، كما أن استخدام السلاح النووي يخضع لضوابط واستراتيجيات مختلفة تمامًا عن تلك التي كانت قائمة خلال الحرب العالمية الثانية، ويُعد خيارًا بالغ الخطورة وتحيط به اعتبارات دولية وإنسانية واسعة. لذلك فإن الحديث عن أي رد من هذا النوع يبقى في إطار السيناريوهات النظرية وليس التوقعات.
ما يجعل هذا الملف بالغ الخطورة هو أن الشرق الأوسط يقف اليوم عند نقطة قد تؤدي فيها أي خطوة غير محسوبة إلى انتقال المنطقة من حرب إقليمية محدودة إلى أزمة عالمية تمس أمن الطاقة، والاستقرار الاقتصادي، وسلامة الملاحة الدولية، وربما البيئة أيضًا. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الحرب ستبدأ، بل ما إذا كان الجميع يدرك حجم الثمن الذي سيدفعه العالم إذا تحولت هرمز إلى “بيرل هاربر” القرن الحادي والعشرين.











































































