اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٨ أيلول ٢٠٢٦
خاص / شهاب
يحاول المزارع سفيان صبح، 53 عامًا، أن يراقب أرضه ومحصوله عن كثب، بعدما باتت علامات القوارض فى الصباحات الباكرة أكثر ما يقلقه وينذره بخسارة محصول 'البندورة' قبل موعد القطاف.
ويقول صبح إن القوارض تصل إلى الثمار والشتلات، وتترك آثار القضم عليها، فيما تمتد الأضرار إلى أجزاء مختلفة من النبات، وهو ما ينعكس على كمية المحصول الذي ينتظره المزارع بفارغ الصبر بعد شهور من المعاناة والتعب.
ويشرح أن الضرر لا يتوقف عند الثمرة التي تعرضت للقضم، فخلف كل ثمرة تكلفة دفعهتا ' من دم قلبي' منذ بداية الموسم، من تكلفة البذور والمياه والأسمدة إلى الجهد والوقت الذي أمضيته فى اصلاح و رعاية الأرض وننقل المياه.
ويلفت إلى أن إصابة الشتلات أو أجزاء النبات قد تعني خسارة إنتاجها أيضًا، خصوصًا عندما تتكرر الأضرار داخل الأرض وتطال أكثر من نباتـ منوها ان القوارض تنتشر فى المحاصيل الزراعية 'انتشار النار فى الهشيم' نتيجة أطنان الركام والقمامة ومجاري الصرف الصحي.
قبل السوق
ومع اقتراب موعد القطاف، يواصل صبح تفقد محصوله بشكل يومي، فيما تصبح الثمار المتضررة جزءًا من الكمية التي يفقدها المزارع قبل أن تصل إلى السوق.
ومن دير البلح إلى أرض أخرى، يواجه المزارع فلاح أبو حمدان، 66 عامًا، ضررًا إضافيًا يفرض عليه التعامل مع القوارض إلى جانب أعمال الزراعة المعتادة.
ويصف أبو حمدان ما يحدث بأنه كلفة جديدة تضاف إلى كلفة الزراعة، بعدما اضطر المزارع إلى البحث عن وسائل لحماية المحصول الذي أنفق عليه طوال الموسم.
ويشير إلى أن المزارع لا يدفع ثمن زراعة الأرض فقط، بل يتحمل أيضًا ما يحتاجه من وسائل لمكافحة القوارض والحفاظ على النباتات والثمار التي لم تصل إليها بعد.
ويضيف أن وصول القوارض إلى الثمار قبل اكتمال نضجها يقلل من الكمية التي يمكن تركها حتى موعد القطاف، فيما تصبح بعض الثمار غير صالحة للبيع بعد تعرضها للتلف.
ويؤكد أبو حمدان أن خسارة المحصول لا تُحسب بسعر الثمرة وحده، لأن وراءها ما أنفقه المزارع من بداية الزراعة حتى وصولها إلى مرحلة الإنتاج.
وتأتي خسائر المزارعين في وقت تقلصت فيه المساحات الزراعية التي يمكن الوصول إليها إلى حد كبير؛ فبحسب تقييم لمنظمة الأغذية والزراعة ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية، كانت نحو 40,910 دونمات زراعية، أي 27% من إجمالي الأراضي الزراعية في قطاع غزة، متاحة للوصول حتى 24 يونيو/حزيران 2026، لكن 4,480 دونمًا فقط منها كانت متاحة وغير متضررة. وأظهر التقييم أن هذه المساحة لا تتجاوز نحو 3% من إجمالي الأراضي الزراعية في القطاع.
تلف المحصول
ويشرح المهندس الزراعي نزار الوحيدي أن زيادة انتشار القوارض خلال الحرب جعلتها تتحرك بسهولة بين المناطق السكنية المدمرة ومواقع النفايات، قبل أن تصل إلى الحقول الزراعية التي تجد فيها المحاصيل مصدرًا إضافيًا للغذاء.
ويقول الوحيدي إن القوارض لا تقتصر أضرارها على الثمار، إذ تستطيع قضم السيقان والجذور والبذور أيضًا، وقد يؤدي ذلك إلى سقوط الثمار أو تلفها، فضلًا عن إمكانية تلوث المنتجات الزراعية بمخلفاتها.
ويبين أن القوارض تختلف في نمطها الغذائي، فبعضها يتغذى على النباتات والبذور، ومن بينها الفأر البيتي وفأر المزرعة واليربوع، فيما تطال أضرارها محاصيل نباتية متعددة، بينها الباذنجانيات والقرعيات، مثل البطيخ والقرع والشمام، إضافة إلى الطماطم والخيار.
ويلفت الوحيدي إلى أن ظروف الحرب وفرت للقوارض الغذاء والمأوى، إلى جانب تراجع وجود أعدائها الطبيعية، ما ساعد على زيادة انتشارها ووصولها إلى مناطق زراعية مختلفة، وجعلها تهدد ما تبقى من الإنتاج الزراعي.
ولا يرى الوحيدي أن التعامل مع المشكلة يمكن أن يقتصر على المصائد ووسائل المكافحة الميكانيكية، موضحًا أن الحد من انتشار القوارض يحتاج أيضًا إلى تنظيف محيط الحقول من القمامة والركام.
ويشير إلى أن معالجة المشكلة من جذورها تتطلب إدارة أفضل للنفايات وتحسين الصرف الصحي في مناطق المخيمات، باعتبارها إجراءات تساعد على الحد من الظروف التي تسمح بانتشار القوارض ووصولها إلى الحقول.
ويشدد على أن خطط إعادة تأهيل القطاع الزراعي يجب أن تتضمن برامج لمكافحة القوارض، وألا تقتصر على توفير البذور والأسمدة والمياه وإصلاح الأراضي.
كابوس صباحي
ويؤكد أن حماية المحصول يجب أن تكون جزءًا من عملية إعادة الإنتاج الزراعي نفسها، حتى لا يعاد تجهيز الأرض وزراعتها ثم يواجه المزارع الآفة ذاتها بعد وصول المحصول إلى مرحلة الإنتاج.
ولا تتوقف خسائر الزراعة عند المساحات التي لم يعد الوصول إليها ممكنًا، إذ أظهر تقييم الأضرار والاحتياجات السريع لقطاع غزة أن نحو 87% من الأراضي الزراعية ما زالت متضررة، فيما بقي أكثر من 81% من البيوت الزراعية خارج الإنتاج بسبب الأضرار التي لحقت بها.
وقدرت منظمة الأغذية والزراعة أضرار نظام الزراعة والغذاء بنحو 1.44 مليار دولار، مقابل خسائر بلغت نحو 1.46 مليار دولار، في وقت طالت فيه الأضرار أكثر من 95% من البنية التحتية الزراعية، بما يشمل الأراضي والبيوت الزراعية والمشاتل وشبكات الري والآبار والطرق الزراعية ومنشآت التخزين والتصنيع والأسواق.
لم تعد القوارض في غزة مجرد آفة تلاحق محصولًا أو تفسد طعامًا، بل باتت جزءًا من كابوس يومي يلاحق الفلسطينيين في تفاصيل حياتهم؛ من البيوت ومراكز الإيواء إلى الأسواق والأراضي الزراعية، في ظل ظروف دفعت هذه الحيوانات إلى الانتشار والاقتراب أكثر من الناس.
وبينما يحاول الغزيون استعادة أبسط مقومات الحياة، يجدون أنفسهم أمام خطر صغير الحجم لكنه حاضر في كل مكان، يهدد غذاءهم وممتلكاتهم ومحاصيلهم ويضيف عبئًا جديدًا إلى حياة أنهكتها الحرب.

























































