اخبار سوريا
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ١٦ أيلول ٢٠٢٦
العلمانية، في أحد معانيها الأساسية على الأقل، ليست نوعاً من البشر. هي سؤال عن كيفية انتظام الدولة والقانون حين يعيش داخل المجتمع أناس لا يتفقون على الدين والأخلاق وطريقة الحياة. كيف نصنع قانوناً عاماً والعقائد متعددة؟ وكيف يستطيع شخصان يختلفان جذرياً في معنى الحياة الجيدة أن يقفا أمام المؤسسة نفسها بموقع متساوٍ؟
هاني دهب، المعروف باسم الشيخ الذهبي، داعية مصري ظهر لسنوات بهذا اللقب قبل أن يكشف اسمه الحقيقي في مطلع أيار/ مايو 2026. تقول تقارير كثيرة إنه وصل إلى سوريا منذ عام 2021، لكن اسمه لم يتحوّل إلى ظاهرة عامة إلا بعد سقوط نظام الأسد، حين بدأ مشروعاً يقوم أساساً على جمع التبرعات و'شن' حملات دعوية دينية، وتوزيع ما يسميه 'اللباس الشرعي' على الفتيات والنساء.
لا تتوافر صور واضحة للذهبي، كما تم تداول أخبار تفيد بأنه ليس موجوداً في سوريا كلها. وحتى عندما أوقفت وزارة الأوقاف أحد أنشطته، لم يكن هو حاضراً، بل حضرت مندوبة عنه. لكن نشاطه لم يبقَ محصوراً في منطقة محددة، بل امتد إلى محافظات سورية مختلفة، ودخل إلى جامعات ومدارس وفضاءات عامة، فيما تحولت حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي إلى سجل مفتوح ومستمر للنساء اللواتي حصلن على الخمار أو النقاب، وللفعاليات والمسيرات والأنشطة التي تنظمها الحملة في مختلف أنحاء سوريا.
خمس قطع يريدها الذهبي على المرأة: العباءة، الخمار، النقاب، القفازات والجوارب. وتدعو الحملة أيضاً: الشام تعود لزيها الأصلي، كما تعود هويتها الأصلية'. هنا يظهر أيضاً شكل جديد للداعية، الذي لا يحتاج بالضرورة إلى مسجد. التبرعات، وجسد المرأة، ونقد المعاصي، والنشاطات الترفيهية، والمسيرات، والصورة على وسائل التواصل، كلها تضعه داخل الحياة اليومية وفي أماكن متعددة يصعب تثبيته في واحد منها.
ما هي 'ثورة ' الذهبي؟
أخذ نشاط الذهبي لاحقاً اتجاهاً يكشف أن الأمر يتجاوز اللباس أكثر مما يظهر في البداية. فمع الإعلان عن عودة أصالة نصري لإحياء حفل في دمشق في أيلول/ سبتمبر 2026، أطلق حملة تحت عنوان 'إلغاء حفلات المعاصي'، وهاجم وزارة الثقافة واتهمها بمحاولة 'صبغ المجتمع بصبغة علمانية'. هنا يصل الخلاف إلى صورة سوريا الجديدة نفسها. فوزارة الثقافة تقدّم عودة أصالة، المعارضة السابقة للنظام، بوصفها عودة 'ابنة الشام' إلى 'سوريا المحررة'. أما الذهبي، فينظر إلى المشهد نفسه ويراه دليلاً على انحراف البلد عن الهوية التي يُفترض بالثورة أن تعيدها، وأن السلطة الحالية لديها مهمات أخرى تعبث بها.
كيف يمكن أن يعاد رسم خريطة سوريا من دون أن تتحرك حدودها ولو متراً واحداً؟ وكيف يمكن توسيع معنى الأخلاق والثقافة والسيادة والعودة إلى الأصل، ثم اختصار هذا كله فجأة في جسد امرأة مغطى بخمس قطع متراتبة: عباءة، خمار، نقاب، قفازات وجوارب؟
في مشروع الشيخ الذهبي يصبح جسد المرأة خريطة البلاد، ويمكن أن نعرف من مقدار ما يظهر منه أو يختفي مقدار ما استعادت سوريا من أصلها وما ينبغي أن تكون عليه. الرأس والوجه واليدان والقدمان والجسد تتحول إلى حدود جديدة، لا بين سوريا والدول الأخرى، بل بين ما يجوز أن يظهر من سوريا وما ينبغي حجبه لكي تصبح البلاد أقرب إلى أصلها.
المشكلة لا تبدأ من النقاب، ولا من حق أي امرأة في ارتدائه، ولا حتى من حق داعية في الدعوة الى ارتداء النقاب، بل عندما ينتقل اختيار ديني محدد من كونه شكلاً من أشكال الحياة الموجودة في المجتمع ليصبح تفسيراً لسوريا قاطبة. الانتقال، عبر اللباس والمظهر، من قطع ثياب محددة إلى 'الأصيل' و'الأصلي'، هو بحد ذاته نظرية متخيلة في التاريخ، توضع كلها تقريباً على جسد المرأة السورية.
ولكن أي أصل؟
ليس الماضي السوري خزانة مُعلّقة نختار منها قطعة واحدة، ننزلها ونسميها زياً أصلياً. حتى تاريخ اللباس نفسه أكثر فوضى من ذلك ولا يمكن ضبطه بهذه السهولة. دمشق التي أعطت اسمها لـ'الدمقس'، واشتغلت بالحرير وإنتاجه، والبروكار والنقش والتطريز والصوف، لم تنتج قيمة القماش من نقائه المفترض كقطعة مادية، بل مما أضافته إليه، اللون والزخرفة التي عبرت مراحل بيزنطية وأموية وغيرها، وطريقة النسج، وما فعله الحرفيون بالمادة حتى تصبح دمشقية. حتى الحرير الذي وصل من السوق العالمي، ومن الصين تحديداً، لم يفقد قيمته لأنه مستورد، بل دخل في صيرورة الحرفة والرؤية والرغبة الدمشقية والحلبية، وأعاد السوري تشكيله وإدخال نقشه وألوانه وطرائق صنعه عليه.
وهنا ربما يكون الفرق بين المصنوع والمستورد أهم من بساطة الفرق بين القديم والجديد. فالقطعة المستوردة لا تبقى دائماً كما وصلت، ولا تكون المحلية دامغة لشهادة المنشأ. الأسواق السورية أخذت تاريخياً مواد وأشكالاً قادمة إليها وأعادت ترتيبها، تُضاف نقشة، يتغير لون، يُستعمل القماش في قطعة لم يصنع من أجلها أصلاً، وتنتقل القصة من طبقة إلى أخرى، ومن مدينة إلى ريف. السوري لا يحافظ على الأشياء فقط، بل يعبث بها أيضاً حتى تصبح له.
حتى دخول العباءة عبر شركات خليجية إلى السوق ليس مشكلة بحد ذاته، ولا يجعلها غريبة عن السوق، ولا أحد يذكرها، لأنها جاءت من الخارج بل تدخل الى المنافسة مع الذوق السوري نفسه الذي يستخدمها، أي أنها دارجة ومقبولة ومستخدمة في سوريا، الأسواق والأذواق تتنافس، وأن منتجاً قادماً من بيئة أخرى يمكن أن يدخل إلى بيئات سورية كان لها لباسها وأشكال احتشامها الخاصة. ثم لماذا تكون المرأة تحديداً هدف حملة لاستعادة الأصل؟ جزء واسع من لباس الشبان السوريين قائم على الجينز والحذاء الرياضي والقبعة والقميص والجاكيت وأحدث الموديلات، كل صيحات العالم الغربي الحديث يلبسونها، ومع ذلك لا يُطلب من الرجل أن يستعيد أصالته عبر سروال أو غطاء رأس محدّد. انتقائية المرأة لتكون حاملة للأصالة مريبة وغير عادلة، لأن الجسد الذي يُطلب منه أن يحمل عبء الهوية هنا هو جسد المرأة.
والمعنى السوري الأكثر حاجة اليوم ربما ليس العثور على القطعة التي تمثلنا، بل كرامة المرأة في جعلها خارج أي سطح يُفرض عليها أي شكل، حقها في الرغبة والاختيار والتلقي والمشاركة، وألا تصبح سطحاً تُكتب عليه هوية جماعة تتمول وتعمل من دون السياسة وقبلها. السؤال: ماذا يجب أن ترتدي السورية لكي تكون سورية؟
مذاهب من دون أزياء
الأزياء السورية نفسها لا تنتظم جيداً وفق خريطة المذاهب، البيئة تكون أحياناً أقوى من العقيدة في تشكيل الأثواب واللباس. الساحل مثلاً أنتج ألبسة متصلة بالمناخ والعمل الزراعي وطبيعة الأرض والخامات المتاحة، وأثواباً فضفاضة لكنها في الوقت نفسه ملونة ومزركشة. هناك أصالة للبيئة والعمل أيضاً. ماذا عن الشروال الذي يقضي فيه الفلاح أكثر من نصف يومه، يعمل فيه ويزور الناس ويستقبلهم؟ اللباس سيفشل في أن يكون بياناً عقائدياً، مهما حاولنا أن نقنع الناس بأن لباسهم مرتبط بدينهم.
وفي مناطق أخرى يتغير القماش وغطاء الرأس والزخرفة بحسب العمر والطبقة والمناسبة والريف والمدينة والعمل. لذلك بإمكان جماعات دينية مختلفة تعيش في بيئة واحدة أن تتشارك قدراً واسعاً من مفردات اللباس، فيما يختلف أبناء الدين نفسه بين الساحل والبادية ودمشق وحلب. الهوية الدينية لا تفسر الثوب وحدها؛ الأرض تدخل فيه، والعمل، والسوق، والطبقة، والمرأة نفسها وذائقتها.
حتى المانطو السوري يربك فكرة 'الزي الأصلي'. هو نفسه تركيب حديث نسبياً، دخلت في تكوينه أشكال من المعطف الغربي والتركي، ثم تم تحويلها محلياً. تغير القماش والقصة والقبة، دخل اللون والزركش والتفصيل، وصار المانطو يسمح بمساحة واسعة للذائقة الشخصية من دون أن يتخلى بالضرورة عن الاحتشام، فهو يغطي لباساً آخر، يُستعد لإبرازه لتوكيد الشخصية بمن يلبسه. ثم بإمكان امرأتين محجّبتين أن ترتدياه بطريقتين مختلفتين تماماً، هناك تفاوض خاص له يتجاوز خماسية الأصالة الذهبية. وهذه نقطة جوهرية، الاحتشام السوري نفسه لم يكن دائماً أسود ولا متشابهاً. من الممكن للثوب أن يكون فضفاضاً ومحتشماً، وفي الوقت نفسه مليئاً بالألوان والورد والزخرفة.
كيف نقول إنها سوريا؟
خرجت سوريا من أكثر من نصف قرن من الاستبداد، وهي تحمل معها أحلاماً أقل ضخامة بكثير من استعادة الهوية، تلك الهوية المجهضة أصلاً. وربما كانت أحلام السوريين أكثر اتصالاً بفكرة التغيير: أن يستطيع المرء أن يشارك في القرار، ولو في أبسط تفاصيله؛ في انتخابات البلدية، وتنظيم الشوارع، وجودة التعليم وتأمين المستقبل. أن يجرّب طريقة مختلفة في العيش، وأن يمارس دينه من دون وصاية، وأن يعيش من دونه من دون خوف. أن يذهب إلى الجامع ليشعر بالرحمة، لا بتمجيد نظام سياسي. أن يجد قضاءً لا يحتاج إلى واسطة، وشارعاً نظيفاً، وبناءً لا ينهار بسبب الفساد، ومدرسة تعمل، وبلدية يمكن مساءلتها، ومؤسسة لا يحتاج الداخل إليها إلى قريب في السلطة.
الكرامة نفسها لم تكن فكرة سماوية نريدها، بل كانت موجودة في هذه التفاصيل الصغيرة.
الثورة لم تكن مطالبة بإعادة السوري إلى هيئة شكلية أو سياسية، بل بتوسيع المساحة التي يستطيع داخلها أن يكون سورياً، وأن تظهر طرق مختلفة للحياة بعدما أمضى النظام عقوداً في تضييق المجال السياسي وإضعاف إمكان الاجتماع المستقل وإفراغ النقابات والتنظيمات من قدرتها على تمثيل الناس.
بقي الدين، وسط ذلك، واحداً من أكثر البنى الاجتماعية قدرة على الاستمرار. المسجد، حلقة الدرس، الجمعية الخيرية، الشيخ المحلي، التدين البسيط، الرجل الذي يسميه الناس درويشاً، وشبكات العائلة والمساعدة الدينية، كلها احتفظت بدرجات مختلفة من الاجتماع والعلاقات. لم يخترع الذهبي هذا العالم، ولا اخترعت السلطة الجديدة السوريين المتديّنين. كان موجوداً قبل الثورة وقبل الأسد أيضاً.
لم يترك النظام المجال الديني حراً، بل راقبه ونظمه واستعمله ووسّع بعض مؤسساته، فيما دمّر استقلال السياسة والنقابات وأشكال التنظيم الخارجة عنه. لذلك بقي للمجال الديني ما لم يعد متاحاً تقريباً للسياسة المستقلة: مكان يومي، جمهور، لغة مشتركة، رجل يستطيع الكلام أمام الناس، وشبكات مساعدة وثقة. حين سقط النظام لم يحتج المسجد إلى أن يُخترع من جديد، ولم يحتج الشيخ إلى تعليم السوريين معنى الجلوس والاستماع إليه.
الذهبي يدخل تحديداً من هذا الباب.
'الذهبي' لا يدخل إلى مجتمع يحتاج إلى من يعلمه التشدد أو يمارس عليه استعلاء أخلاقياً جديداً. يستطيع المرء أن يجلس في دمشق ويستمع إلى خطب ومحاضرات تنتقد الشباب، والأركيلة، والاختلاط، ولباس النساء، والموسيقى والعلاقات، وأن يسمع كثيراً من القاموس نفسه الذي يستعمله الذهبي. جزء واسع من هذا الجهد الأخلاقي موجود في الجوامع منذ عقود. الجديد ليس دائماً في المضمون، بل في طريقة العمل: الموعظة التي كانت تنتهي تقريباً بانتهاء الخطبة صارت حملة على وسائل التواصل، والمتبرع صار جزءاً من الجهاز، واللباس يقدم كهدية، والمرأة تصبح صورة، والرسالة تتحرك في الجامعة والشارع والنشاط الترفيهي والفضاء العمومي.
لهذا يبدو الذهبي جديداً وتقليدياً في الوقت نفسه: لغة قديمة نسبياً تتحرك بوسائل شديدة المعاصرة. لا يحتاج إلى حزب أو نقابة أو مؤسسة ثقافية كبيرة؛ هناك بنية اجتماعية موجودة أصلاً، ويضيف إليها اقتصاد التبرعات وآلة الصورة الحديثة. ويتعامل مع تغيير السلطة كأنه لا يكفي، وكأن المجتمع نفسه يحتاج إلى إصلاح ديني أكثر جذرية. لذلك يعاير الحكومة بانفتاحها، بحفلة، بوزارة الثقافة، بلباس، وبكل شيء لا يشبه الصورة التي يعتقد أن الثورة كان يجب أن تنتجها.




































































