اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
هل تُعدّ مديونية الحكومة استثمارًا ناجحًا لمجرد انتظام عوائدها ام بقدرتها على حماية أموال المشتركين والمتقاعدين على المدى الطويل ؟
أكد رئيس صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، الدكتور عز الدين كناكرية، أن مديونية الحكومة للصندوق تُعدّ استثمارًا من خلال السندات الحكومية، مشيرًا إلى أن العوائد التراكمية لمحفظة السندات بلغت نحو 5.2 مليار دينار منذ تأسيس الصندوق، وأن موجوداته وصلت إلى نحو 20.1 مليار دينار بنهاية الربع الثالث من عام 2026، وفق التصريحات المنشورة.
هذه الأرقام تفتح بابًا لنقاش اقتصادي مشروع يتجاوز حجم الموجودات والعوائد إلى سؤال جوهري: هل تُعدّ مديونية الحكومة استثمارًا ناجحًا لمجرد انتظام عوائدها، أم أن نجاحها الحقيقي يُقاس بقدرتها على حماية أموال المشتركين والمتقاعدين على المدى الطويل؟
من الناحية المالية، تُعدّ السندات الحكومية أداة استثمارية معروفة، وتوفر تدفقات نقدية منتظمة، وقد تسهم في استقرار المحافظ الاستثمارية. لذلك، فإن استثمار أموال الضمان فيها ليس موضع اعتراض في حد ذاته، ما دام يستند إلى دراسة الجدوى والعائد والمخاطر، وينسجم مع الالتزامات المستقبلية للصندوق.
لكن انتظام الفوائد لا يعني انعدام المخاطر؛ فالعائد الاسمي قد تتراجع قيمته بفعل التضخم، كما تتأثر القيمة السوقية للسندات بتغير أسعار الفائدة، وتزداد أهمية المخاطر عندما ترتفع نسبة الأموال المستثمرة في جهة واحدة.
وهنا يبرز سؤال يستحق الإجابة العلمية: عندما تكون الحكومة مدينة لصندوق الضمان، وتستثمر أموال الصندوق في سنداتها، فإلى أي مدى يعكس هذا الاستثمار تنويعًا للمخاطر، وإلى أي مدى يربط سلامة المركز المالي للصندوق بأوضاع المالية العامة للدولة؟
ومن خلال الحوار مع عدد من المختصين الاردنيين ، افادوا بأن ذلك لا يعني هذا الارتباط أن الاستثمار غير سليم، لكنه يستدعي تقييمًا موضوعيًا يستند إلى بيانات واضحة. فالعوائد التراكمية المعلنة لا تكفي وحدها للحكم على الأداء ما لم تُقرأ في ضوء حجم الأموال المستثمرة، والعائد الحقيقي بعد التضخم، وآجال الاستحقاق، والمخاطر، وتكلفة الفرص الاستثمارية البديلة، ومدى توافق التدفقات النقدية مع الالتزامات المستقبلية للضمان.
كذلك، ينبغي التمييز بين العائد المالي الذي تحققه السندات والأثر الاقتصادي الذي يُفترض أن يترتب على توظيف الأموال في مشاريع وطنية. فالاستثمار في المياه والطاقة والنقل والصناعة قد يدعم النمو ويوفر فرص العمل، لكنه يحتاج، شأنه شأن أي استثمار، إلى دراسات جدوى مستقلة، وتقدير واقعي للكلف والعوائد، وإدارة للمخاطر، ومعايير معلنة لقياس النتائج.
ومن منظور الفكر المحافظ الأردني، فإن حماية مدخرات المجتمع تمثل مسؤولية مؤسسية وأخلاقية تجاه الأجيال. فدعم الاقتصاد الوطني ضرورة، لكن نجاح السياسات الاقتصادية لا يُقاس فقط بما تحققه اليوم، بل أيضًا بقدرتها على صون الاستقرار المالي والاجتماعي غدًا. والمطلوب هو الجمع بين الاستثمار المنتج وحماية حقوق المشتركين والمتقاعدين، دون افتراض أن كل استثمار يخدم الدولة يحقق بالضرورة أفضل مصلحة للصندوق.
إن النقاش المسؤول لا يقوم على التشكيك في أداء الصندوق، كما لا يكتفي بالتطمين إلى انتظام سداد الفوائد. المطلوب إخضاع القرارات الاستثمارية لتقييم مهني مستقل، ونشر بيانات دورية توضح نسبة الاستثمار في الدين الحكومي، والعائد الحقيقي للمحفظة، ومستوى تركّز المخاطر، وآجال الاستحقاق، ونتائج اختبارات الضغط المالي، والتوقعات المتعلقة بالالتزامات التأمينية المستقبلية.
ومن هنا، فإننا ندعو الخبراء الاقتصاديين والماليين، والجهات الرقابية المختصة، ومؤسسات الضمان الاجتماعي، إلى حوار علمي يستند إلى البيانات والمقارنات والمعايير المهنية، ويجيب عن سؤال محدد : هل يحقق الاستثمار في السندات الحكومية التوازن الأمثل بين العائد والمخاطر والسيولة والاستدامة، مقارنة بالبدائل المتاحة؟
فالخلاصة أن مديونية الحكومة يمكن أن تكون استثمارًا مجديًا لصندوق الضمان، لكنها ليست استثمارًا خاليًا من المخاطر لمجرد أن الحكومة هي الجهة المدينة . والحكم النهائي ينبغي أن يستند إلى أدلة قابلة للتحقق، لا إلى العوائد الاسمية وحدها.
إن أموال الضمان ليست شأنًا ماليًا مغلقًا؛ إنها قضية ثقة وطنية وحقوق مستقبلية. ومن حق المواطنين أن يعرفوا كيف تُدار هذه الأموال، وعلى أي أسس تُتخذ القرارات ، وما الضمانات العملية لاستدامتها. فالمساءلة العلمية لا تُضعف الثقة بالمؤسسات، بل تعززها، والشفافية ليست تشكيكًا في الإنجاز، وإنما شرط لاستمراره.
حمى الله المملكة الاردنية الهاشمية من كل كريهة
الأمين العام المساعد للتثقيف الحزبي

























































