اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦
لم يكد يمض ِ أسبوعان على الجريمة الإرهابية التي استهدفت كنيسة القديس جورجيوس في بلدة حمود بمحافظة الكرك، والتي ارتقى فيها تسعة شهداء من أبناء الأردن المسيحيين، وأصيب أكثر من ثلاثين آخرين، حتى امتدت يد الإرهاب مجدداً لتغتال العريف الشاب جواد علي خلف السلايطة، أثناء أدائه لواجبه الوطني بمشاركته في دورية روتينية أمام سفارة دولة صديقة في العاصمة عمّان.
وبين الجريمتين دلالة لا يجوز إغفالها، تتمثل في أن الإرهاب التكفيري لم يكن في حادثة كنيسة حمود يستهدف المسيحيين لكونهم مسيحيين، بل كان يستهدف الأردن بأسره، وأمنه واستقراره، ووحدته الوطنية، ونسيجه الاجتماعي الذي ظل على امتداد تاريخه نموذجاً للتآخي والتعايش.
فشهداؤنا في كنيسة حمود، وشهيدنا العريف جواد السلايطة، جميعهم أبناء وطن واحد، تلتقي دماؤهم في حقيقة واحدة: أنهم أردنيون، وأن دماءهم عزيزة على كل أردني، أياً كان دينه أو معتقده. فالمشكلة ليست في دين بعينه، بل في فكر إقصائي يرى في كل من يخالفه عدواً مستباح الدم. واختزال خطر هذا الفكر بتصويره مشكلة بين المسلمين والمسيحيين هو قراءة قاصرة لطبيعته وأهدافه.
ولا يجوز اختزال الإرهاب في الدين أو تحميل منظومة دينية بأكملها مسؤولية جرائم ترتكبها جماعات متطرفة توظف النصوص وتحرّف معانيها لخدمة أفكارها وأهدافها. فالتطرف والتكفير ظاهرة مركبة تتداخل في نشأتها عوامل فكرية واجتماعية واقتصادية ونفسية، إلى جانب الاستقطاب الفكري والتوظيف المضلل للفضاء الرقمي وترويج خطاب الكراهية. وقد برزت عقب حادثة كنيسة حمود أصوات سارعت إلى توجيه الاتهام بالجملة إلى مناهج التربية الإسلامية، وأئمة المساجد، ودور القرآن الكريم، والمؤسسات الدينية. ومثل هذه الاتهامات التعميمية لا تساعد على فهم الظاهرة أو مواجهتها، بل تخلط بين الدين بوصفه منظومة قيم ومقاصد، وبين من اختطفوا نصوصه وحرّفوا معانيها لتبرير العنف والتكفير.
وفي المقابل، فإن رفض التعميم لا يعني إغلاق باب المراجعة؛ فمن حق المجتمع، بل من واجبه، مراجعة المناهج والتحقق من خلوها من أي نص أو تفسير يكرّس التمييز أو يغذي الكراهية، ومساءلة أي خطيب يثبت تورطه في التحريض. غير أن هذه المراجعة ينبغي أن تكون علمية ومؤسسية، قائمة على الدليل والموضوعية، وبقدر من الشفافية لا يمس سرية التحقيقات الأمنية ولا يتحول إلى محاكمات رأي عام. فالشفافية المسؤولة تبني الثقة، والمراجعة الرصينة لا تعني التسليم بوجود خلل، كما أن احترام المؤسسات الدينية لا يعفيها من التقييم والمساءلة عند وجود ما يستدعي ذلك.
وليس التاريخ الإسلامي ببعيد عن هذه الانحرافات الفكرية؛ فقد شهدت الأمة ظهور الخوارج في مرحلة مبكرة من تاريخها، حين تحوّل التأويل الديني المتعصب إلى أداة لتكفير المسلمين واستباحة دمائهم. وقد واجه كبار الصحابة هذا الفكر ووقفوا في وجه انحرافاته، في تأكيد واضح على أن التطرف والتكفير لم يكونا يوماً تعبيراً عن جوهر الدين الإسلامي ومقاصده، بل انحرافاً عن قيمه ومبادئه.
وإذا كان الفكر التكفيري قديماً في جذوره، فإن آليات اشتغاله اليوم قد تغيرت؛ فالجماعات التكفيرية المعاصرة تعتمد بدرجة كبيرة على المنصات الرقمية والمواقع المغلقة في عمليات التجنيد والاستقطاب وتوجيه خطاب الكراهية. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى تطوير استراتيجيات الحماية الرقمية والوعي الشبابي، ومواجهة هذه المنصات بذات القدر من الحزم الذي تُواجه به الأفكار المتطرفة على أرض الواقع.
الأردن يمتلك منظومة مؤسسية وطنية راسخة، تتكامل فيها أدوار الأجهزة الأمنية والمؤسسات الدينية الرسمية، وفي مقدمتها وزارة الأوقاف ودائرة الإفتاء العام، في حماية المجتمع وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال. وتبقى المحافظة على هذه المنظومة وتطوير أدائها وتعزيز التنسيق بين مؤسساتها مسؤولية وطنية مستمرة، تفرضها طبيعة التحديات التي تواجه المجتمع.
وهنا تبرز مسألة في غاية الأهمية، تتعلق ببرامج التعامل مع أصحاب السوابق الإرهابية والفكر التكفيري. فقد ثبت أن مرتكب الاعتداء الأخير لديه سوابق إرهابية وتكفيرية، وأنه خرج من السجن قبل أيام من ارتكاب جريمته، بعد انقضاء مدة محكوميته. وهذا يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى خضوعه، ومن هم على شاكلته، لبرامج تأهيل حقيقية خلال فترة احتجازهم.
فلا ينبغي أن يقتصر التعامل مع هؤلاء المجرمين على إيقاع العقوبة بسجنهم، بل يجب أن تقترن عقوبتهم ببرامج متخصصة للتأهيل الفكري والديني والنفسي والاجتماعي، تستهدف تفكيك ما اكتسبوه وما ترسخ في أذهانهم من فكر متطرف، وتصحيح مفاهيمهم المتطرفة والمنحرفة، وإعادة بناء وعيهم على أسس دينية ووطنية وإنسانية سليمة. كما تقتضي المسؤولية تقييم مدى نجاح هذه البرامج قبل الإفراج عنهم، ومتابعة من تستدعي حالتهم ذلك بعد الإفراج، وفق الأطر القانونية والضمانات اللازمة، للتحقق من استقرار سلوكهم وعدم عودتهم إلى تبني الفكر المتطرف أو ممارسة العنف. فالإفراج عن شخص ذي سوابق إرهابية لا ينبغي أن يعني انتهاء مسؤولية المؤسسات المعنية عن تقييم مخاطر عودته إلى التطرف.
وعليه، فإن مواجهة هذا الفكر تتطلب عملاً متكاملاً يشمل تعزيز الخطاب الديني المستنير وتمكين العلماء المعتدلين، وحماية الفضاء الرقمي والشبابي من استقطاب المنصات الظلامية، ومعالجة العوامل الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي قد تشكل بيئة خصبة للاستقطاب، وتطوير برامج تأهيل أصحاب الفكر المتطرف ومتابعتهم وفق القانون، إلى جانب تعزيز دور المؤسسات الوطنية والتشريعية في حماية الوحدة المجتمعية.
إن المسؤولية الوطنية تقع على عاتق الجميع؛ فلا المؤسسات الأمنية وحدها قادرة على اقتلاع الفكر المتطرف، ولا المؤسسات الدينية وحدها تستطيع حماية العقول، بل هي معركة مجتمعية متكاملة تتشارك فيها الأسرة، والمؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية، والقوى الاجتماعية. إن أخطر ما يبتغيه الإرهاب هو إحداث شرخ بين أبناء المجتمع الواحد، ودفعهم إلى تبادل الاتهامات والتشكيك في مؤسساتهم دون دليل. وحريّ بنا أن نتذكر دائماً أن المسلم والمسيحي في الأردن شريكان أساسيان، تجمعهما حقوق المواطنة وواجباتها، وتشدّهما ذاكرة وطنية وتاريخية لا يمكن لأي فكر ظلامي أن ينال منها.
رحم الله شهداء كنيسة حمود، وشهيد الواجب العريف الشاب جواد السلايطة، وأسكنهم فسيح جناته. وسيبقى الأردن، بحكمة قيادته الهاشمية، وبوعي أبنائه، وتماسك نسيجه، وصلابة مؤسساته، وطناً للجميع، لا مكان فيه للتكفير والكراهية، ومتماسكاً بوحدة أبنائه وإيمانهم بأن حرمة الدم الإنساني لا تتجزأ، وأن حماية الوطن مسؤولية الجميع.

























































