اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦
عندما نسمع كلمة 'تطرف'، يتبادر إلى أذهاننا فوراً التعصب الديني أو العنف المسلح. لكن الحقيقة أن التطرف كائن يتلون؛ فهناك تطرف فكري يرفض الرأي الآخر، وتطرف رياضي يمزق النسيج المجتمعي، وتطرف عشائري وتطرف مناطقي. لمواجهة هذا التمدد، أثبتت الأساليب التقليدية كالوعظ المباشر أو الترهيب القانوني قصورها، وهنا يبرز 'علم السلوكيات' كقوة ناعمة وفعالة قادرة على 'إعادة برمجة' المجتمع بهدوء، وتوجيهه نحو الوسطية وتقبل الآخر من خلال ما يُعرف بـ 'هندسة الخيارات.
عبر تصميم بيئاتنا في المدارس والجامعات والإعلام بعناية، يمكننا أن نجعل السلوك المتسامح والمعتدل هو 'الخيار الافتراضي' والبديهي للجميع، لنقدم للعالم نموذجاً مجتمعياً يُحتذى به.
أولا: إعادة هندسة التعليم
فاعتماد علم السلوكيات على 'التجربة والتصميم'. لتجفيف منابع التطرف بكافة أشكاله في المؤسسات التعليمية، يتم تطبيق الآتي:
1. تفكيك 'التحيز للجماعة' - في المدارس، يميل الطلاب لتشكيل مجموعات مغلقة (بناءً على الطبقة الاجتماعية، أو العشيرة، أو المنطقة). التدخل السلوكي هنا لا يكون بإلقاء محاضرة عن المساواة، بل عبر إعادة التوزيع العشوائي والمستمر لأماكن الجلوس، وفرض 'الاعتماد المتبادل' من خلال مشاريع لا يمكن إنجازها إلا بتعاون طلاب من خلفيات مختلفة، مما يكسر الجليد ويبني تعاطفاً حقيقياً يمنع التطرف الفكري مستقبلاً.
2. تغيير 'الخيارات الافتراضية' في الجامعات- الشباب المتطرف غالباً ما يكون معزولاً. يمكن للجامعات جعل الأنشطة اللامنهجية المتنوعة (كأندية المناظرات، والفنون، والعمل التطوعي) خياراً افتراضياً يسجل فيه الطالب تلقائياً عند القبول، ويحتاج إلى جهد للانسحاب منه، بدلاً من العكس.
3. اللقاح السلوكي-تعريض الطلاب لجرعات خفيفة من المعلومات المضللة أو الحجج المتطرفة في بيئة آمنة (مثل قاعات المناظرة)، وتعليمهم تفكيكها منطقياً. هذا يبني 'مناعة فكرية' تجعلهم أقل عرضة للانقياد وراء الخطابات المتطرفة لاحقاً.
ثانياً: إعادة هندسة الإعلام
الإعلام (التقليدي والرقمي) هو ساحة المعركة الحقيقية. الخوارزميات الحالية تشجع التطرف لأن الغضب يجلب المشاهدات، لكن التدخلات السلوكية يمكن أن تقلب المعادلة:
• الناس يميلون لتقليد الأغلبية. بدلاً من أن يركز الإعلام على تغطية الحوادث المتطرفة (مما يعطي وهماً بأن التطرف منتشر وقوي)، يجب تسليط الضوء بكثافة على القصص اليومية للتسامح والتعايش وتصويرها على أنها 'المعيار الطبيعي' للمجتمع. عندما يقتنع الفرد أن الأغلبية الساحقة ترفض التعصب (سواء كان تعصباً لروابط الدم أو الأفكار)، فإنه يميل فطرياً للتوافق مع هذه الأغلبية.
• عند مهاجمة معتقدات شخص متطرف بشكل مباشر وهجومي، فإن دماغه يفرز هرمونات دفاعية تجعله أكثر تمسكاً برأيه. الإعلام الذكي سلوكياً يستخدم 'التأطير الإيجابي'، بحيث يقدم الفكرة المعتدلة كبديل يحقق ذات الأهداف (كالكرامة، الانتماء، أو العدالة) ولكن بطرق سلمية وبناءة.
علم السلوكيات يخبرنا أن البشر ليسوا آلات منطقية طوال الوقت، بل كائنات تتأثر ببيئتها. إذا قمنا بهندسة هذه البيئة بذكاء، فلن نكتفي بمحاربة التطرف بعد ظهوره، بل سنمنع بذرته من النمو أصلاً، لنقدم الأردن للعالم مجتمعاً لا يتعايش أفراده فحسب، بل يزدهرون باختلافاتهم.

























































