اخبار لبنان
موقع كل يوم -الصدارة نيوز
نشر بتاريخ: ٢٩ أذار ٢٠٢٦
أضاف: 'كيف نعيش نحن اليوم هذا الإنجيل؟ كيف نترجمه في واقعنا المعاصر، حيث يغلب حب الذات، والسعي إلى المجد الشخصي، وطلب المال والسلطة، والتمسك بالمصلحة الشخصية؟ هذا ما نعاينه في عالمنا على صورة بطش وسطوة ونفوذ وسباق إلى التسلح والتحكم، وحروب مدمرة يريد مفتعلوها بسط سلطة أرضية ولو على جثث الأطفال والأبرياء، إرضاء لغرورهم وجشعهم أو لحقدهم، متجاهلين أن الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله، وعوض إكرامه يعملون على إبادته بأسوأ الطرق البربرية. إن حب الرئاسة وما يستتبعه من آثام هو مرض روحي يدل على الكبرياء والأنانية وقلة المحبة، لذلك نكرر خلال الصوم صلاة القديس أفرام السرياني: «أيها الرب وسيد حياتي، أعتقني من روح البطالة والفضول، وحب الرئاسة والكلام البطال، وأنعم علي… بروح العفة واتضاع الفكر والصبر والمحبة» لكي نعي رذائلنا ونعمل على التخلص منها'.
وتابع: 'هنا، تبرز أمامنا سيرة القديسة مريم المصرية كإنجيل حي، وتجسيد ملموس لكلام الرب. فقد عاشت هذه القديسة في عمق الخطيئة، منغمسة في الشهوات، مستعبدة لملذات الجسد، موقعة بالكثيرين، حتى كادت تفقد إنسانيتها. لكن لحظة نعمة واحدة، لحظة يقظة ومواجهة مع الله، قلبت حياتها رأسا على عقب. عندما وقفت أمام باب الكنيسة ولم تستطع الدخول، أدركت أن قوة خفية تمنعها، فاستفاق ضميرها، ورأت جسامة خطاياها وعمق سقوطها. في تلك اللحظة، لم تبرر نفسها، ولم تتهرب من الحقيقة، بل انكسرت أمام الله، وصرخت من أعماق قلبها طالبة الرحمة. هذه هي بداية التوبة الحقيقية: أن يرى الإنسان نفسه كما هو، بلا أقنعة، ولا أعذار، وأن يقف أمام الله بصدق واتضاع. يقول الآباء القديسون إن «التوبة هي ابنة الرجاء ورفض اليأس»، وهذا ما جسدته القديسة مريم المصرية التي لم تيأس رغم ثقل خطاياها، بل آمنت بأن رحمة الله أوسع من سقوطها، فتحولت من عشق الجسد والعيش في الخطيئة إلى عشق الله والحياة معه'.
وقال: 'سر الإعتراف هو امتداد عملي للتوبة. فالتوبة ليست مجرد شعور داخلي بل مسيرة ملموسة تتجسد في العودة إلى الكنيسة، في كشف القلب أمام الله، عبر الكاهن، وفي قبول النعمة التي تغسل النفس وتطهرها. سر الإعتراف ليس دينونة، بل هو شفاء؛ ليس إذلالا، بل تحرر من الأهواء والخطايا. يقول الآباء القديسون إن علينا فتح قلوبنا للكاهن كما نفتح جراحنا للطبيب لكي يضع عليها الدواء. فالإنسان الذي يخفي خطيئته يبقى أسيرها، أما الذي يعترف بها فينال الغفران والحرية. القديسة مريم المصرية عاشت توبة جذرية، لا بالكلام فقط بل بحياة كاملة من النسك والجهاد في البرية، لسنوات طويلة، حيث حاربت الأهواء ونقت قلبها، وارتفعت بالنعمة إلى درجات القداسة. التوبة ليست لحظة عابرة، إنها مسيرة مستمرة، وجهاد يومي، وصراع مع الذات، وثبات في النعمة. هذا ما يطلبه منا الرب اليوم، أن نحمل صليبنا، ونجاهد ضد خطايانا، ونختار طريق المحبة والخدمة بدل الأنانية والكبرياء'.
أضاف: 'في عالمنا اليوم، قد لا تكون خطايانا علنية كما كانت في حياة القديسة مريم المصرية، لكنها كامنة في القلب: كبرياء، حسد، حقد، دينونة، أنانية، فتور روحي، إهمال للصلاة، إبتعاد عن الأسرار المقدسة… هذه كلها تحتاج توبة صادقة. فالخطر ليس فقط في السقوط، بل في الإعتياد عليه، وفي فقدان الحس بالخطيئة. لذلك، تدعونا الكنيسة في هذا الصوم إلى اليقظة، والعودة إلى ذواتنا، وفحص ضمائرنا في نور الإنجيل. ومتى قبلنا الله في حياتنا وأحببناه بصدق نصير مجبولين بالمحبة، أي بالله نفسه «لأن الله محبة» (1يو 4 :8) ، ونصبح قادرين على إظهار محبتنا للخليقة بأسرها. التلاميذ طلبوا المجد الأرضي، لكن المسيح دعاهم ويدعونا إلى مجد آخر، مجد الصليب. هذا المجد لا ينال إلا بالتواضع. الإنسان المتكبر لا يستطيع أن يتوب، لأنه لا يرى خطأه. أما المتواضع، فينفتح على نعمة الله، ويختبر التحول الحقيقي. القديسة مريم المصرية لم تصبح عظيمة إلا عندما اتضعت، وعرفت ضعفها،وأدركت خطاياها وسلمت نفسها بالكامل لله'.
وتابع: 'دعوتنا اليوم واضحة، وهي أن نسلك طريق المحبة والبذل والخدمة أي طريق المسيح الذي «لم يأت ليخدم بل ليخدم»، وأن نتعلم من القديسة مريم كيف نبدأ من جديد، مهما كان ماضينا. فلا خطيئة أقوى من رحمة الله، ولا سقوط نهائيا لمن يريد أن يقوم. المهم أن نمتلك الشجاعة لنقول: «أخطأت يا رب، فارحمني»، وأن نعود إليه بقلب منسحق ومتواضع'.
وختم: 'لنفحص إذا ضمائرنا ولنعترف بخطايانا ونتب عنها، ولنقترب من سر الإعتراف بإيمان، فاتحين قلوبنا لنعمة الله، لكي يطهر ضمائرنا من الأعمال الميتة كما يقول الرسول بولس، فنصير قادرين أن نعبد الله الحي، لا بالكلام فقط، بل بحياة متجددة مملوءة محبة وتواضعا وخدمة. وإذ نسير إلى نهاية الصوم، نرفع أنظارنا نحو المسيح الصاعد إلى أورشليم، حاملا صليبه من أجلنا، ونقتدي بالقديسة مريم المصرية في توبتها، لكي نصل نحن أيضا إلى تطهير النفس وقيامة القلب، ونختبر الفرح الحقيقي الذي لا يعطى إلا للذين عادوا إلى الله بكل كيانهم'.
المصدر: لبنان24











































































