اخبار لبنان
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٣ نيسان ٢٠٢٦
أجبر على الوقوع بعد التحرير في ثلاث حروب مع إسرائيل من أجل أمور تتجاوزه
لا أحد يعرف بماذا تنتهي المفاوضات الأميركية - الإيرانية بوساطة باكستانية شاركت فيها تركيا والسعودية ومصر ورمت الصين بثقلها خلفها. ولا أحد يجهل لماذا أصر الرئيس دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو على استثناء لبنان المفروضة عليه حرب إسرائيل و'حزب الله' من الهدنة في حرب إيران التي يشارك فيها الحزب بقرار من طهران وتنسيق مع الحرس الثوري وعملياته، ولماذا تعيد واشنطن النظر وطلب التهدئة.
الوطن الصغير كان ولا يزال منذ الستينيات في القرن الماضي 'ساحة' مفتوحة لتصفية الحسابات في المنطقة. وحرب لبنان التي بدأت رسمياً يوم 13 أبريل (نيسان) قبل 51 عاماً وتوقفت رسمياً بعد 'اتفاق الطائف' عام 1989، بدأت عملياً قبل 'اتفاق القاهرة' بين لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1969، ولم تتوقف عملياً بعد الطائف، ولا بعد إلغاء اتفاق القاهرة وخروج المنظمة إلى تونس.
إسرائيل تولت خلال الاجتياح عام 1982 إخراج الرئيس ياسر عرفات وقواته من بيروت. وسوريا أخرجته بعد ذلك من طرابلس التي عاد إليها. وحتى بعد تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي عام 2000، فإن 'حزب الله' لم يتصرف كمقاومة ينتهي دورها بعد التحرير وبدء مشروع الدولة كما في التجارب العالمية، إذ أصر على إكمال الدور تحت عنوان المقاومة لمواجهة أي خطر إسرائيلي، وفي العمق كقوة مرتبطة بالحرس الثوري ومؤمنة بولاية الفقيه والعاملة للمشروع الإقليمي الإيراني واللاعبة في حرب سوريا واليمن والعراق.
لا بل هي أجبرت لبنان على الوقوع بعد التحرير في ثلاث حروب مع إسرائيل من أجل أمور تتجاوزه. الأولى هي حرب العام 2006 بعد عملية خطف جنود إسرائيليين للمبادلة بإطلاق سراح أسرى معظمهم غير لبنانيين، لكن ما حدث من ضحايا وخسائر ودمار جرت ترجمته الأيديولوجية إلى 'نصر إلهي' على رغم قول الأمين العام السيد حسن نصرالله 'لو كنت أعلم' والتي تعني لما تسببت بالحرب.
والثانية هي 'حرب الإسناد' لغزة التي دمرت فيها إسرائيل البلد وهجرت الشيعة واغتالت السيد حسن وخليفته السيد هاشم صفي الدين وقادة الصفين الأول والثاني في التركيبة العسكرية، واحتلت خمس نقاط قبل اتفاق لم تحترمه.
والثالثة هي حرب الدفاع عن إيران والتي كان رد إسرائيل السريع عليها التدمير الهائل وتهجير مليون شيعي من قراهم ومنازلهم واغتيال المئات وإصابة الألوف وتوسيع الاحتلال، ولا تزال الحرب مستمرة.
يروي الدكتور هنري كيسنجر في مذكراته تحت عنوان 'سنوات الاضطراب' أن رئيس الجمهورية سليمان فرنجية سأله في اجتماع في مطار رياق يوم 16 ديسمبر (كانون الأول) عام 1973: 'كيف يمكن الولايات المتحدة أن تحد من النفوذ السوفياتي وتريح لبنان من مشكلة الفلسطينيين؟'.
لم يذكر وزير الخارجية الأميركي جوابه عن السؤال بل قال: 'لم يطاوعني قلبي للإقرار بأنه من غير المرجح أن ينجو لبنان من ضيوفه المفترسين'. ولم تنجح من يومها كل المحاولات والمساعي لفك الارتباط بين أزمة لبنان وأزمة الشرق الأوسط.
المحاولة الأخيرة قام بها وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز، كما يروي في مذكراته 'اضطراب وانتصار'، عندما رفض طلب مسؤولين وغير مسؤولين بينهم كيسنجر ترك لبنان في أزمته 'لئلا تطغى محاولات حلها على ما عداها في المنطقة'، لكن إصرار الدولة العميقة على ربط لبنان بأزمة الشرق الأوسط هو الذي انتصر.
والواقع أن لبنان ظل مرتبطاً بأزمات المنطقة لا بتسوياتها. فهو بقي أو أبقي خارج التسويات التي حدثت: كامب ديفيد، أوسلو، وادي عربة، وفك الارتباط في الجولان، أي سلام مصري وأردني مع إسرائيل، تفاوض على سلام بين منظمة التحرير وإسرائيل، وضبط كامل للهدوء ومنع أية حركة في الجولان مع استمرار التفاوض على سلام سوري- إسرائيلي برعاية أميركية لم يصل إلى اتفاق كامل.
لا بل إن المعادلة التي سادت لعقود هي 'أمن المنطقة من اللاأمن في لبنان'. فحرب لبنان لم تكن مجرد حرب أهلية أو عربية أو إقليمية أو دولية بل كل ذلك في الوقت نفسه. شيء من اختصار صراعات المنطقة في الجغرافيا اللبنانية، وشيء من الحرص على أن يبقى رأس الوطن الصغير قادراً على التنفس فوق الماء وبحر الدم. وما كان المؤرخ برنارد لويس يبالغ بالقول 'إن لبنان عانى لا بسبب أخطائه بل بسبب مزاياه'.
ولبنان اليوم في أخطر مرحلة من مراحل الحرب الطويلة المستمرة بشكل أو بآخر منذ الستينيات. افتتح اللاعب الفلسطيني اللعبة العسكرية بحجة تحرير فلسطين، فأصبح من المحتم دخول اللاعبين الإسرائيلي والسوري. وحيث هناك لاعبون فلسطينيون وإسرائيليون وسوريون على أرض دولة لبنانية رخوة وصراعات طائفية، سيأتي بطبائع الأمور لاعبون عرب ولاعب إيراني كبير ولاعب تركي قوي. ولن يتردد اللاعبون الأوروبيون في دخول اللعبة التي تدار بين الكبار في واشنطن وموسكو.
حرب إيران هي حرب تغيير الشرق الأوسط على أساس صيغتين متناقضتين واحدة أميركية وإسرائيلية وأخرى إيرانية من دون أن تتبلور صيغة عربية. وحرب لبنان هي جزء منها. فلا الصيغة الإيرانية التي ربحت جولات في معارك وترتيبات عبر تأسيس فصائل أيديولوجية مذهبية مسلحة مرتبطة بالحرس الثوري، باتت ممكنة ولو على مدى طويل، والسبب هو الحرب الأميركية- الإسرائيلية، وكسر 'الهلال الشيعي' في سوريا، ولسبب جوهري هو كون المشروع الإقليمي- الإيراني معاكساً لطبيعة العالم العربي والإسلامي وأكثريته السنية. ولا الصيغة الأميركية والإسرائيلية يمكن أن تكتمل من دون قيام دولة فلسطينية وتبلور صيغة مشروع عربي. وحرب لبنان مستمرة ما دامت حرب إيران بلا حسم وقدرة الدولة على تطبيق قدراتها حول حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم مصابة بعطل لا يزال إصلاحه صعباً. والمشكلة هي أن 'حزب الله' وبقية أذرع إيران ليست مصممة لمرحلة سلام بعد حرب ومفاوضات بل لحرب دائمة من أجل ولاية الفقيه.











































































