اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ١٧ تموز ٢٠٢٦
تقرير - شهاب
تشهد غرف الولادة ومغاسل الموتى في قطاع غزة فصلا قاسيا من فصول المعاناة الإنسانية، إذ يتجاوز الاستهداف عمليات القتل المباشر ليمتد إلى الأرحام ومستقبل الأجيال القادمة.
داخل خيام النزوح، ووسط ظروف معيشية صعبة، تواجه النساء الحوامل خطرا داهما يهدد حياتهن وحياة أجنتهن، إذ تسجل الطواقم الطبية ارتفاعا غير مسبوق في حالات الإجهاض، والتشوهات الخلقية، ووفاة الأجنة داخل الرحم، مما يدق ناقوس الخطر حول كارثة ديموغرافية غير مسبوقة تلوح في الأفق.
وتكشف المعطيات الطبية والشهادات الميدانية الواردة من الأطباء والمسؤولين داخل المستشفيات عن حجم الفاجعة التي تتعرض لها النساء الحوامل، واللواتي يفتقرن لأبسط مقومات الرعاية الصحية الإنجابية والأمومية والتغذية السليمة، مما يحرم الأجنة من فرصة النمو الطبيعي والولادة الآمنة.
ويوضح الدكتور محمد البشيتي، اختصاصي النساء والتوليد بمجمع ناصر الطبي، الأسباب المباشرة واليومية التي تؤدي إلى هذه النسبة المرتفعة من الإجهاض قائلاً إن 'هناك عوامل كثيرة تؤثر على المرأة الحامل في قطاع غزة، ومن أهمها الأوزان الثقيلة التي تضطر لحملها، والنزوح المتكرر من مكان لآخر بشكل مستمر، بالإضافة إلى استنشاق بارود الصواريخ والمواد المتفجرة مثل الـ 'TNT'، والمبيدات الحشرية التي تُرش في المخيمات للقضاء على الحشرات الضارة، فضلاً عن العيوب الخلقية في التكون الجنيني'.
ويضيف الدكتور البشيتي محذرًا من أن الاستمرار في الوضع الحالي سيضاعف من حجم الكارثة لأن هذه التأثيرات تراكمية وتزداد يومًا بعد يوم.
ويشير إلى أن حالات الأجنة المتوفاة في عمر متقدم غالبًا ما تكون نتيجة عيوب خلقية أو سوء تغذية حاد ناتج عن الفترات الطويلة التي عاشتها الأمهات بلا غذاء مناسب، في حين أن حالات الإجهاض المبكر في الأسبوع الرابع عشر والخامس عشر والعشرين تعود بالدرجة الأولى لاستنشاق السموم والبارود والمبيدات الحشرية وبذل مجهود بدني شاق يفوق قدرة المرأة الحامل الجسدية.
من جانبه، يسلط استشاري أمراض النساء والولادة، الدكتور سهيل أبو مصطفى، الضوء على الجانب الغذائي والبيئي وتأثيره المباشر على الأمهات وحملّهن، حيث يوضح أن الحرب والظروف المعيشية القاسية في غزة حرمت النساء من أبسط مقومات الرعاية الصحية والتغذية السليمة.
ويستدرك 'خاصة خلال فترات المجاعة ونقص الغذاء، ما أدى إلى فقدان أجسامهن عناصر غذائية وفيتامينات ضرورية لنمو الأجنة بشكل طبيعي، لا سيما وأن الجنين يعتمد بشكل كامل خلال الحمل على مخزون الأم من هذه العناصر الأساسية'.
كما يشير الدكتور أبو مصطفى إلى أن الظروف القاسية التي تعيشها النساء الحوامل، من إرهاق جسدي وسوء تغذية وخوف مستمر وتعرض إلى غازات وانبعاثات سامة بسبب القصف، إضافة إلى عدم القدرة على النوم في بيئة آمنة ومريحة داخل الخيام، ترفع بشكل كبير من مخاطر الإجهاض ومضاعفات الحمل.
وبحسب الدكتور، يزيد من خطورة هذا الوضع العيش وسط بيئة غير صحية تفتقر لأدنى المقومات، في ظل انتشار الحشرات والقوارض وتراكم النفايات، مما يرفع احتمالية الإصابة بالأمراض الطفيلية والالتهابات التي قد تتسبب مباشرة في وفاة الجنين داخل الرحم أو حدوث مضاعفات خطيرة تهدد حياة الأم وجنينها على حد سواء.
وفي قراءة رقمية وإحصائية شاملة، يصف الدكتور منير البرش، مدير عام وزارة الصحة في غزة، الواقع بأنه يتجاوز الأزمة الصحية ليصبح تهديدًا وجوديًا حقيقيًا، حيث شهد قطاع غزة انخفاضًا غير مسبوق في أعداد المواليد الجدد.
وأوضح الدكتور البرش، أن أعداد المواليد تراجع من 6,076 ولادة في نوفمبر 2025 إلى 2,004 ولادات فقط في أبريل 2026، وهو انخفاض حاد بنسبة 67% خلال بضعة أشهر فقط، ما يمثل مؤشرا خطيرا على اختلال عميق في قدرة المجتمع على تعويض خسائره البشرية واستعادة توازنه السكاني الطبيعي.
ويضيف الدكتور البرش أن هذا التراجع يترافق مع انتشار واسع لفقر الدم بنسبة تصل إلى 57% بين النساء الحوامل في غزة، وهي من أعلى المعدلات عالميًا، مما يحرم الأجنة من الأكسجين والعناصر الغذائية الأساسية ويتسبب في تشوهات خلقية سُجل منها نحو 385 حالة.
ويتابع 'إلى جانب تسجيل مئات حالات الحمل عالي الخطورة في بيئة تفتقر للأمن الغذائي وتتسم بالنزوح المتكرر والانهيار شبه الكامل لخدمات الرعاية الصحية الإنجابية والأمومية في القطاع'.
وتحذر وزارة الصحة بغزة من أن هذا التدهور الخطير أدى لتسجيل أكثر من 921 حالة إجهاض في شهر واحد بزيادة بلغت 264% مقارنة بأكتوبر 2025، وسط توقعات طبية بأن يتجاوز معدل الإجهاض 500 حالة لكل 1,000 ولادة حية في الفترة المقبلة، مما يعني أن نصف الأجنة سيموتون قبل الولادة.
ويؤكد الدكتور البرش أن ارتقاء نحو 1,200 شهيد منذ وقف إطلاق النار، معظمهم من النساء والأطفال، يثبت أن ما يجري في غزة ليس مجرد أزمة، إنما هي بمثابة 'إبادة صامتة' تُمارس ضد الحق في الحياة والقدرة الإنجابية وتواصل الأجيال.

























































