اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
قصة أخرى من قصص شهداء الرياضة الفلسطينية انتهت بوداع مؤلم، في جريمة جديدة تجسد بشاعة العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني خلال الحرب على قطاع غزة، التي امتدت لما يقارب ثلاثة أعوام، وحصدت أرواح آلاف الفلسطينيين، وتركت خلفها حكايات موجعة عن عائلات فقدت أحباءها، ومجتمع رياضي خسر لاعبين ومدربين وإداريين كانوا يشكلون جزءا أصيلا من مسيرته.
وسط هذه المأساة، تتوالى قصص الرياضيين الذين غيبتهم نيران الاحتلال، بعدما تحولت أحلامهم وملاعبهم وصالاتهم الرياضية إلى ذكريات مثقلة بالحزن.
ومن بين هؤلاء الشهيد أحمد فؤاد محمود هارون، المعروف بلقب 'أبو أسامة'، الذي لم يكن مجرد لاعب كرة يد متميز، بل رياضيا جمع بين اللعب والتدريب والعمل الإداري، وكرس سنوات من حياته لخدمة الرياضة الفلسطينية وتطويرها.
من مخيم النصيرات بدأت الحكاية
ولد أحمد هارون في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، يوم 20 سبتمبر/أيلول 1982، ونشأ محبا للرياضة، فبدأ مشواره منذ سنوات الدراسة المدرسية، قبل أن يشق طريقه في عالم كرة اليد، اللعبة التي ارتبط اسمه بها، وصار أحد الوجوه المعروفة في محيطها الرياضي.
ورغم شغفه بالملاعب، اختار الشهيد أن يواصل تعليمه الجامعي، فتخصص في الإعلام وتخرج في جامعة الأقصى بغزة، جامعا بذلك بين المعرفة الأكاديمية والخبرة الرياضية، في مسيرة عكست تنوع اهتماماته ورغبته في تطوير قدراته على أكثر من صعيد.
بدأ هارون اللعب ضمن فريق نادي أهلي النصيرات لكرة اليد، قبل أن ينتقل إلى نادي خدمات النصيرات، حيث تولى حراسة مرمى الفريق، وأسهم معه في تحقيق العديد من البطولات، ليترك بصمته في واحدة من أبرز المحطات الرياضية في حياته.
ولم تقتصر علاقته بالرياضة على كرة اليد، إذ مارس كرة الطائرة أيضا مع نادي الرباط، في دلالة على تعدد مواهبه وارتباطه بمختلف الألعاب، قبل أن ينتقل لاحقا من المستطيل الرياضي إلى ميادين التدريب والعمل الإداري.
من حراسة المرمى إلى صناعة الأجيال
لم يكن اعتزال أحمد هارون اللعب نهاية علاقته بالملاعب، بل شكل بداية مرحلة جديدة حمل خلالها مسؤولية إعداد اللاعبين وتطوير قدراتهم. وعمل مساعدا لمدرب فريق كرة القدم في نادي الرباط، كما تولى تدريب الفريق الأول لكرة اليد بالنادي، إلى جانب عمله مدربا للفريق الثاني لكرة اليد في نادي خدمات البريج.
ومن خلال هذه الأدوار، واصل هارون تقديم خبرته للأجيال الجديدة، مؤمنا بأن خدمة الرياضة لا تتوقف عند حدود المشاركة في المباريات، بل تمتد إلى بناء اللاعبين، وصقل المواهب، وتوفير البيئة المناسبة لتحقيق النجاح.
وانتقل لاحقا إلى العمل الإداري، فشغل عضوية مجلس إدارة نادي خدمات النصيرات، وتولى مسؤولية الدائرة الإعلامية فيه، كما كان عضوا في لجنة تطوير اللعبة ولجنة المسابقات باتحاد كرة اليد، ورئيسا للجنة النسائية في الاتحاد.
شهادة من يعرفه.. شخصية تجمع الجميع
يستعيد ابن عمته خالد هارون، أحد إداريي فريق كرة اليد في نادي خدمات النصيرات وحكم اللعبة، جوانب من شخصية الشهيد، مؤكدا أنه كان يتمتع بصفات جعلته محبوبا ومحترما بين زملائه وكل من عرفه، سواء داخل الوسط الرياضي أو في محيطه العائلي.
ويشير خالد إلى أن أحمد كان حريصا على معالجة المشكلات التي قد تنشأ بين اللاعبين، ويبادر إلى التواصل معهم والعمل على حل الخلافات، بما يضمن استمرار العلاقات الطيبة وتوفير الأجواء المناسبة للفريق.
كما كان يسعى باستمرار إلى تطوير نفسه، سواء في الجانب الرياضي أو الإداري، وهو ما أهله لتولي مسؤوليات مهمة في نادي خدمات النصيرات واتحاد كرة اليد. ولم يكن يتعامل مع المناصب باعتبارها وجاهة، بل مسؤولية تتطلب بذل الجهد والعمل المتواصل لتحقيق نتائج ملموسة.
ويضيف أن الشهيد كان من الرياضيين الذين يحرصون على تمثيل فرقهم في البطولات الخارجية، والعمل على تذليل العقبات أمامها، وبناء علاقات التعاون والمحبة مع المؤسسات والجهات الرياضية، محليا وخارجيا.
نبوءة موجعة قبل الرحيل بأسبوع
وسط تفاصيل الحرب القاسية، بقي أحمد هارون في منزله غرب النصيرات، رغم المخاطر التي أحاطت بالمنطقة، مع وجود قوات الاحتلال في المناطق القريبة من أبراج الأسرى.
ويستحضر خالد واحدة من أكثر اللحظات إيلاما في قصة الشهيد، حين حضر أحمد، قبل استشهاده بأسبوع، أحد التدريبات الرياضية في صالة نادي خدمات النصيرات، قبل أن يخبر زملاءه بأنه سيعود إلى منزله.
وعندما سأله بعض الشباب عن السبب، أجاب بأنه يريد إحضار الحطب استعدادا للعزاء بعد استشهاده، في كلمات بدت حينها عابرة، لكنها تحولت بعد أيام إلى ذكرى موجعة، وكأنها كانت وداعا أخيرا لرفاق دربه.
وبعد أسبوع، وقع ما كان يخشاه الجميع؛ إذ قصفت دبابات الاحتلال منزله، فهرع أحمد مع ابنه إلى شقة شقيقه في الطابق العلوي، وحين فتح الباب، أصيب ابنه بحروق جراء النيران التي اشتعلت في الشقة.
لكن المأساة لم تتوقف عند ذلك، إذ باغتته قذيفة أخرى أثناء نزوله، فمزقت جسده، ولم يتمكن أقاربه وجيرانه من جمع أشلائه إلا بعد توقف القصف وابتعاد الدبابات قليلا عن المكان.
رحيل الأب وبقاء الإرث الرياضي
ارتقى أحمد هارون شهيدا يوم الجمعة الموافق 10 يناير/كانون الثاني 2025، تاركا خلفه زوجته وأبناءه وعائلته، وذكريات كثيرة في قلوب زملائه ومحبيه. ومن بين أبنائه نجله حسام، الذي يلعب ضمن فريق الناشئين لكرة القدم في نادي خدمات النصيرات، ليبقى ارتباط العائلة بالرياضة قائما رغم الفقدان.
وخسرت كرة اليد الفلسطينية برحيله أحد أبنائها الذين عملوا على تطوير اللعبة، ولم يدخروا جهدا في سبيل تعزيز حضورها وتوسيع آفاقها. فقد كان لاعبا ومدربا وإداريا، جمعته بالرياضة علاقة تجاوزت حدود المنافسة، لتصبح جزءا من حياته ورسالة آمن بها حتى آخر أيامه.
لم يترك أحمد هارون خلفه ألقابا وبطولات فحسب، بل ترك سيرة رجل سعى إلى جمع الرياضيين، وحل خلافاتهم، وفتح أبواب التعاون أمامهم، وبناء مستقبل أفضل للعبة التي أحبها.

























































