اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
خاص / شهاب
مع دخول أيام الشتاء وقِصر ساعات النهار في قطاع غزة، يسابق طلبة الجامعات والثانوية العامة الزمن لإنهاء دروسهم ومراجعاتهم قبل غروب الشمس، في ظل افتقار خيام النزوح إلى الإنارة، وانعدام الكهرباء، وغياب مصادر الطاقة البديلة.
ويجد الطلبة الذين لا يمتلكون كشافات إنارة أنفسهم أمام ساعات طويلة من الظلام تحرمهم من مواصلة الدراسة ليلًا، وتحول الحصول على كشاف صغير يعمل بالطاقة الشمسية إلى حاجة ملحّة لمتابعة تحصيلهم الدراسي.
حين يحل الظلام.
تطارد الطالبة شيماء حسب الله ساعات النهار المتبقية، محاولةً إنجاز دروسها ومراجعاتها قبل أن يغيب الضوء عن خيمة النزوح التي تقيم فيها مع عائلتها؛ إذ لا تملك الأسرة وسيلة إنارة سوى بطارية صغيرة لا توفر ضوءًا كافيًا للدراسة، ولا يستمر استخدامها إلا لساعات قليلة، لتجد شيماء نفسها أمام خيار صعب بين استثمار ما تبقى من ضوء النهار أو التوقف عن الدراسة حين يحل الظلام.
ولا تتوفر لشيماء ظروف تساعدها على مواصلة دراستها حتى المساء؛ فمع غروب الشمس، ينحسر الضوء الذي تعتمد عليه في قراءة الكتب والكتابة ومراجعة دروسها، فيما لا تستطيع البطارية الصغيرة تلبية احتياجاتها لساعات طويلة. ومع اقتراب فصل الشتاء وتراجع ساعات النهار، تضيق أمامها الفترة المتاحة للدراسة، وتزداد حاجتها إلى مصدر إنارة يمكّنها من استكمال ما لم تتمكن من إنجازه خلال النهار.
ولا تنفصل معاناة شيماء عن واقع تعيشه أسر نازحة أخرى في قطاع غزة، حيث بات غياب الكهرباء يفرض قيودًا إضافية على الدراسة داخل الخيام، ويجعل توفر وسيلة إنارة مناسبة عاملًا أساسيًا في قدرة الطلبة على مواصلة المراجعة بعد انتهاء يومهم الدراسي.
ولا تقتصر معاناة الطلبة مع غياب الإنارة على صعوبة استغلال ساعات النهار للدراسة، بل تمتد إلى أسرهم التي تحاول توفير الحد الأدنى من الضوء لمتابعة دروس أبنائها وتدبير شؤونها اليومية داخل الخيام.
وتأمل شهيرة أبو سعدة (40 عامًا) في الحصول على كشاف إنارة يعمل بالطاقة الشمسية، يخفف من معاناتها مع انعدام الكهرباء في مكان نزوحها؛ إذ تضطر إلى شحن هاتفها المحمول أكثر من مرة يوميًا لاستخدامه في إنارة الخيمة، في ظل عدم امتلاكها أي مصدر آخر للإضاءة.
وتقول شهيرة إن الحصول على كشاف سيساعدها على متابعة دروس أطفالها ومراجعتها معهم، إلى جانب تحضير وجبة العشاء ومرافقتهم إلى الحمام ليلًا، وهي احتياجات يومية تصبح أكثر صعوبة بعد غياب الضوء، في ظل ضيق مساحة الخيمة ومحدودية الإمكانات المتاحة للأسرة.
ولا تقتصر أهمية هذه الكشافات على الإنارة؛ إذ تتيح شحن الهواتف المحمولة، ويمكن لبعضها إنارة خيمتين في الوقت نفسه بفضل سلك طويل مزوّد بمصباحين، كما تعمل بالطاقة الشمسية عبر لوح صغير للشحن، ما يجعلها بديلًا عمليًا للأسر التي لا تملك مصدرًا ثابتًا للكهرباء.
كلفة تثقل الكاهل
لكن الحصول على هذه الوسيلة لا يزال بعيدًا عن متناول أسر نازحة كثيرة، في ظل ارتفاع الأسعار ومحدودية القدرة الشرائية. وتتراوح أسعار كشافات الإنارة في الأسواق المحلية بين 500 و800 شيكل وهي كلفة تثقل كاهل أسر فقدت مصادر دخلها وتواجه، في الوقت نفسه، نفقات الغذاء والمياه والدواء واحتياجات المأوى.
ولا تقف المشكلة عند ثمن الكشاف وحده، بل تتصل بواقع اقتصادي فقدت فيه أسر نازحة كثيرة قدرتها على شراء احتياجاتها الأساسية، ما يجعل توفير وسيلة إنارة بسيطة منافسًا لنفقات لا يمكن الاستغناء عنها، كالغذاء والدواء والمياه. وفي ظل هذه الظروف، تضطر بعض الأسر إلى استخدام الهاتف المحمول لإنارة الخيمة، رغم محدودية شحنه وحاجتها إليه للاتصال والتواصل وتدبير شؤونها اليومية.
ومع قصر ساعات النهار، تتزامن الحاجة إلى الإنارة مع متطلبات الاستعداد للشتاء، من إصلاح الخيام المتهالكة وتوفير الشوادر ومواد العزل إلى تأمين الأغطية والفراش.
وحذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» من أن نقص التمويل والقيود الإسرائيلية يحدّان من الاستعدادات لموسم الأمطار في قطاع غزة.
وأشار التقرير إلى الحاجة إلى مزيد من الخيام ومستلزمات الإيواء وأجهزة التدفئة وإمدادات الوقود، موضحًا أن الخيام والأغطية البلاستيكية ومواد العزل المتاحة أو الجاري شراؤها لن تكفي إلا لنحو 50 ألف أسرة، فيما تتوفر مستلزمات الفراش لنحو 50 ألف أسرة أخرى، والملابس الشتوية لنحو 9 آلاف أسرة فقط.
وتكشف هذه الأرقام حجم الفجوة بين احتياجات الأسر النازحة والإمكانات المتاحة لتأمين متطلبات الشتاء. وبينما تتركز الاستجابة على توفير المأوى ووسائل الحماية من المطر والبرد، تظل احتياجات يومية أخرى، من بينها الإنارة داخل الخيام، جزءًا من معاناة الأسر التي لا تملك الكهرباء ولا تستطيع شراء البدائل.
وفي تقرير آخر صدر في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، قدّرت «أوتشا» أن نحو 294,250 أسرة تحتاج إلى مساعدات للمأوى خلال موسم الأمطار والبرد، في حين لا تكفي الإمدادات المتاحة إلا لتغطية احتياجات نحو 52 ألف أسرة، أي قرابة 18% من إجمالي الأسر المحتاجة.
كما أشارت إلى أن نحو 950 ألف نازح يعيشون في مواقع متوسطة إلى مرتفعة الخطورة من الفيضانات، بينهم أكثر من 400 ألف في مواقع عالية الخطورة.
وتتجاوز الحاجة إلى الإنارة مطالب الأسر الفردية؛ إذ أدرجتها نساء نازحات ضمن أولوياتهن مع اقتراب الشتاء، إلى جانب تحسين المأوى وتوفير الملابس الشتوية للأطفال والمساعدات النقدية. ووفق التقرير نفسه، حددت نساء في موقع نزوح بحي الشجاعية يضم نحو 950 أسرة الإنارة ضمن احتياجاتهن الأساسية، في ظل ظروف معيشية صعبة ومحدودية الخدمات المتاحة.
وتعني هذه الاحتياجات أن غياب الكشاف ليس تفصيلًا هامشيًا في حياة النازحين؛ فالأسرة التي لا تستطيع توفير مصدر إنارة تضطر إلى تدبير أعمالها اليومية في الظلام، بينما يفقد الطلبة ساعات كان يمكن أن يخصصوها للمراجعة وحل الواجبات والاستعداد للامتحانات. ومع قِصر النهار في الشتاء، تصبح خسارة ساعات المساء أكثر تأثيرًا في قدرتهم على مواصلة الدراسة داخل الخيام.
جزءًا من الاحتياجات
من جانبها، تقول صفاء أبو عرمانة، مديرة نقطة تعليمية في مواصي خانيونس، إن غياب الإنارة داخل خيام النزوح يحرم الطلبة من استكمال دروسهم وإنجاز واجباتهم بعد غروب الشمس. وتتفاقم المشكلة مع قِصر ساعات النهار واقتراب فصل الشتاء، في ظل اعتماد بعض الأسر على بطاريات صغيرة أو ضوء الهواتف المحمولة، وهي وسائل لا توفر إنارة كافية لفترات طويلة.
وتوضح أن طلبة الثانوية العامة والجامعات هم الأكثر حاجة إلى ساعات إضافية للمراجعة والاستعداد للامتحانات، لكن افتقارهم إلى بيئة مناسبة للدراسة داخل الخيام يحدّ من قدرتهم على متابعة دروسهم. فالطالب الذي لا يتمكن من مراجعة مواده مساءً قد يعود إلى النقطة التعليمية في اليوم التالي من دون إنجاز واجباته، ما يزيد صعوبة متابعة الدروس وتراكم المواد.
وتضيف أبو عرمانة أن ظروف النزوح وفقدان الاستقرار والخصوصية تفرض ضغوطًا نفسية على الطلبة، ويزيد غياب الإنارة من صعوبة مواصلة تعليمهم، خصوصًا المقبلين على الامتحانات، إذ يحرمهم من وقت ضروري للمراجعة والتركيز.
وتؤكد أن ارتفاع أسعار هذه الكشافات وفقدان كثير من الأسر مصادر دخلها يجعلان شراءها أمرًا يفوق قدرتها، داعيةً الجهات التعليمية والإنسانية إلى اعتبار الإنارة جزءًا من الاحتياجات التعليمية الأساسية، وحصر الطلبة المحرومين منها لتوجيه المساعدات إليهم.
وتتجاوز أهمية الكشاف، بالنسبة إلى الطلبة على اختلاف مراحلهم، القدرة على إنارة الخيمة؛ فهو يتيح لهم استغلال ساعات المساء في مراجعة دروسهم بدلًا من التوقف مع غروب الشمس، ويخفف عن أسرهم الحاجة إلى استخدام الهاتف المحمول مصدرًا بديلًا للضوء، بما يستنزف شحنه ويحد من استخدامه في الاتصالات والاحتياجات الأخرى.
وبين ارتفاع أسعار كشافات الإنارة ومحدودية البدائل واتساع الاحتياجات المعيشية للأسر النازحة، يتضح أن غياب وسيلة إنارة داخل الخيام لا يقتصر على صعوبة تدبير شؤون الحياة ليلًا، بل يمتد إلى حرمان الطلبة من ساعات أساسية للدراسة والمراجعة، في وقت تزداد فيه حاجتهم إلى استثمار ساعات النهار القصيرة مع اقتراب فصل الشتاء.

























































