اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ٨ أيلول ٢٠٢٦
دخلت معركة تعيين محافظ جديد لبيروت مرحلة متقدمة، مع احتدام المنافسة على واحد من أكثر المواقع الإدارية حساسية في الدولة، وتقدّم اسمي القاضي نقولا منصور والمحامي عصام خوري، في مقابل بقاء احتمال استمرار المحافظ الحالي مروان عبود مطروحاً. وفي خضم هذه المنافسة، برزت محاولات عدة لاستهداف القاضي منصور والتصويب عليه بشكل واضح، من خلال اختلاق حكايات وأخبار لا تمتّ إلى الواقع بصلة، بهدف ضرب الكفاءة والخبرة والقبول الذي يتمتع به منصور.
وهنا يجب الإشارة إلى أن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون يدعم القاضي منصور وخياراته. وهو أمر لا ينتقص من استقلاليته ولا يحوّله حكماً إلى مرشح سياسي، خصوصاً أن التعيينات في مواقع من هذا المستوى تمر بطبيعتها عبر المؤسسات الدستورية، وتحظى الأسماء المطروحة فيها بتأييد أو قبول من مرجعيات مختلفة.
أما محاولة إحاطة اسم منصور بإيحاءات عن علاقة خاصة بـ'حزب الله' أو بالمسؤول في الحزب وفيق صفا، فتبدو أقرب إلى محاولة سياسية لحرق اسمه في معركة التعيينات منها إلى عرض وقائع موثقة يمكن البناء عليها أو اعتمادها معياراً للحكم على أهليته واستقلاليته.
فمنصور، في نهاية المطاف، قاضٍ راكم تجربته داخل المؤسسة القضائية، ولا يمكن اختصار مسيرته المهنية بتسريبات سياسية تظهر عند اقتراب موعد التعيينات. والأجدى، عند تقييم ترشيحه لمنصب بحجم محافظة بيروت، العودة إلى تاريخه المهني وما راكمه من خبرة، بدلاً من البحث عن تصنيفات سياسية جاهزة توضع الأسماء داخلها وفقاً لحسابات المؤيدين والمعارضين.
ويصف عارفون بمسيرته منصور بأنه قاضٍ عصامي ومجتهد، بنى حضوره المهني خطوة بعد أخرى، وأن العدالة والاحتكام إلى القانون شكّلا عنواناً أساسياً في ممارسته القضائية. وتاريخه المهني هو الشاهد الذي ينبغي الاحتكام إليه عند تقييم الرجل، لا ما يُقال عنه في كواليس معركة سياسية مرتبطة بمنصب لم يتولّه بعد. فالنزاهة والاستقلالية لا تثبتهما الشعارات، كما لا تنفيهما الإشاعات، وإنما يُستدل عليهما من مسيرة المسؤول وسلوكه وقراراته وممارسته لوظيفته العامة.
ومن هنا، فإن الحديث عن كفاءة منصور لا ينطلق فقط من كونه قاضياً، بل من طبيعة التجربة التي راكمها، وما تفرضه المهنة القضائية من مسؤولية ودقة في مقاربة الملفات، والقدرة على اتخاذ القرار والاحتكام إلى النصوص والقوانين. وهذه الصفات تكتسب أهمية مضاعفة عند الحديث عن محافظة بيروت، حيث يحتاج الموقع إلى شخصية تمتلك الخبرة القانونية والحزم والقدرة على الفصل بين مقتضيات الإدارة وحسابات السياسة، وتتعامل مع المواطنين والقوى السياسية وفق معيار واحد هو القانون.
فالعاصمة تحتاج إلى مسؤول لا يميّز بين منطقة وأخرى، ولا بين مواطن وآخر، ولا يجعل من النفوذ السياسي معياراً في تطبيق القرارات. وإذا كان منصور قد أمضى مسيرته في موقع يُفترض أن يكون القانون فيه المرجعية الأولى، فإن خلفيته القضائية تمنحه رصيداً جدياً في المنافسة على موقع يتطلب قدراً كبيراً من التوازن والحزم والإنصاف.
في المقابل، ليس من الصعب قراءة بعض ما يُتداول باعتباره جزءاً من معركة تهدف إلى إحراق أسماء منافسة وإقصائها قبل الوصول إلى لحظة الاختيار، ولا سيما عندما تستند الروايات المتداولة إلى معلومات غير مثبتة وإيحاءات سياسية لا تمتّ إلى الواقع بصلة.
ويبدو أن هذه التلفيقات تهدف إلى منع إتاحة الفرصة أمام تجارب جديدة لأشخاص يتمتعون بالكفاءة، وكأن هناك رغبة في استمرار الواقع الحالي. وعلى الرغم من أن الرغبة في الاستمرار حق مشروع في إطار المؤسسات، فإن ذلك لا يكون بهذه الطريقة. فالموقع العام، مهما بلغت أهميته، ليس ملكاً دائماً لمن يشغله، ولا يتحول مع مرور السنوات إلى حق مكتسب. ومنطق الدولة يقوم أساساً على تداول المسؤولية وإفساح المجال أمام الكفاءات، وليس في مغادرة أي مسؤول لمنصبه انتقاص من شخصه أو تاريخه، تماماً كما أن الرغبة في التجديد لا تعني إدانة من سبقه.
ومن هنا، فإن معركة محافظة بيروت يُفترض ألا تتحول إلى معركة بقاء بأي ثمن.











































































