اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ١ تشرين الأول ٢٠٢٦
خاص - شهاب
في ظل حرب إبادة متواصلة أتت على الشجر والحجر ودمرت شبكات المياه ومحطات التحلية في قطاع غزة، باتت أزمة المياه تمثل صراعا حيّا بين الموت عطشا وبين البقاء.
من قلب هذه المعاناة، وفي مناطق النزوح الممتدة على طول الشريط الساحلي، استطاعت المهندسة الزراعية إيناس الغول، الحاصلة على ماجستير صحة البيئة والموظفة في قسم التنمية الريفية بوزارة الزراعة، تحويل معارفها الأكاديمية إلى أداة ميدانية نجا بها آلاف المواطنين.
تروي المهندسة إيناس الغول لوكالة (شهاب) للأنباء، كيف خاضت مع عائلتها رحلة نزوح شاقة تكررت 16 مرة تحت القصف الجوي والمدفعي المستمر، وفي كل نقطة كانت تحط فيها رحالهم، كان المشهد الأكثر إيلاماً هو طوابير الأطفال والنساء الباحثين عن نقطة ماء صالحة للشرب، لا سيما مع تركز النزوح في المناطق القريبة من البحر.
تقول الغول إن معظم المياه الجوفية والآبار في القطاع تعرضت للتملح والتلوث شديدي الوطأة، بينما دمر الاحتلال غالبية محطات التحلية، ولم يتبق منها سوى محطتين تعملان بشكل جزئي في خانيونس ودير البلح.
ويضاف إلى ذلك أن المياه التي كانت تصل عبر بعض الصهاريج غير معقمة وغير نظيفة، محملة بالطحالب والتكلسات والطين والترسبات، مما اضطر المواطنين لاستخدام الشاش والقطن البدائي لتصفيتها قبل شربها تجنباً للأمراض.
ومع انعدام المحروقات وارتفاع أسعار الوقود والخطورة البالغة في التنقل، أصبحت العوائل تمشي كيلومترات طويلة للحصول على غالون أو غالونين من الماء، في منطقة ريفية مثل 'قيزان النجار' بخانيونس التي أصبحت معزولة كلياً عن وصول صهاريج المياه نتيجة تجريف الطرق وقصفها.
وتوضح المهندسة الغول أن فكرة المقطر الشمسي والطباخ الشمسي كانت 'وليدة الأزمة واللحظة' بعدما وردت أنباء استشهاد العشرات عطشاً في شمال القطاع خلال فترة الحرب الشاملة، وخشية امتداد هذا الخطر المحدق إلى مناطق الجنوب.
وأمام نفاذ المواد الخام الأساسية عالية الكفاءة بفعل الحصار، اتجهت الغول إلى التدوير الميداني؛ فجمعت الزجاج المتكسر وأعادت تقطيعه وتهيئته بنفسها، واعتمدت على أخشاب 'المشاطيح والسحارات' لبناء الهياكل الخارجية كونها شديدة التحمل للحرارة واختلاف الأنواء الجوية والبرودة، وغطت الصندوق بالجلد الأسود لامتصاص أكبر قدر ممكن من الأشعة الشمسية.
وحول التفاصيل الهندسية للجهاز، تشير الغول إلى أن النموذج النهائي وصل طوله إلى 4 أمتار في عرض 120 سم، وهو عبارة عن صندوق خشبي مكسو بالجلد الأسود ومغلق من الأعلى بسطح زجاجي مائل. صُمم الجهاز ليعمل عبر الجاذبية الأرضية والفيزياء الطبيعية دون الحاجة لأي مصدر كهربائي ثابت.
وتبدأ العملية بتعبئة الخزان السفلي بالمياه المالحة أو الملوثة، ثم ضخها عبر موتور صغير إلى خزان علوي رئيسي. ومن الخزان العلوي تنساب المياه بفعل الجاذبية داخل الجهاز بارتفاع منخفض ليتم الامتلاء بكميات محددة، ومع تعرض الصندوق الخشبي المغلق والجلد الأسود لأشعة الشمس المباشرة، ترتفع درجة الحرارة الداخلية وتحدث عملية تبخير سريعة.
يتصاعد بخار الماء النقي خفيفاً إلى الأعلى تاركاً في القاع كافة الملوثات والأملاح والترسبات والطين والتكلسات والعوالق، وعند ملامسة البخار للسطح الزجاجي المائل، يتكثف ويتحول إلى قطرات ماء تنزلق نحو مجرى أو قناة خاصة بالمياه المعقمة النظيفة، وتمر هذه المياه المقطرة عبر مرحلتي تنقية وتصفية بواسطة 'الفحم النشط' لتصبح جاهزة ومثالية للشرب.
وكانت الغول قد اختبرت الفكرة أول مرة في الجامعة الإسلامية بغزة مع بداية الحرب قبل أن تتوسع في تطبيقها ميدانياً.
وأثمر المجهود الفردي للمهندسة إيناس عن تصنيع ما يقارب 114 جهازاً تقريباً تم توزيعها ونصبها في مراكز النزوح والتركيز السكاني في قيزان النجار والمواصي وغيرها.
ونجحت هذه الأجهزة في توفير المياه المعقمة والنظيفة لأكثر من 5000 نازح بشكل يومي، بالإضافة إلى الاستفادة منها في الشرب وسقيا الحيوانات والزراعات المنزلية والمجتمعية داخل المخيمات.
ولم تكتفِ الغول بالماء، بل صممت طباخاً شمسياً كبديل آمن ومستدام للطهي، معتمدة على الطاقة الشمسية المباشرة لإنهاء معاناة الأسر في البحث عن الحطب أو شراء الخشب بأسعار باهظة، ما قلل المخاطر الصحية والأعباء المالية الملقاة على كاهل العائلات المحرومة.
ولم تخلُ رحلة التصنيع من المخاطر الشديدة؛ إذ دمر القصف الجوي مكان عملها ومعداتها في إحدى الغارات، ما أجبرها على البدء من الصفر في موقع آخر، كما فرض الانقطاع التام للكهرباء الإعاقة العادة، فكانت تعمل بيدها ولعشرات الساعات متواصلة وتحت ضوء الشموع وأشعة الشمس الحارقة.
وعند خروجها الاضطراري من القطاع، لم يسلم أثاثها ومتعلقاتها الشخصية من التفتيش، حيث أجبرها الاحتلال على الخروج بملابسها فقط وهاتفها الشخصي، واحتجزوا أجهزتها المحمولة وأوراقها العلمية.
وحول صدى الابتكار، كشفت الغول عن تلقيها تواصلات واهتماماً واسعاً من جهات دولية ودبلوماسية ورؤساء دول، من بينها مكتب عقيلة الرئيس التركي أمينة أردوغان، والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة (UNDP)، والخارجية التركية، والخارجية المغربية، إلى جانب عدد كبير من رواد الأعمال.
وعلى الرغم من تقديمها مقترحات لتصنيع هذه الأجهزة داخل غزة عبر فريقها الميداني الموجود في القطاع، إلا أن الإجراءات اللوجستية وظروف الحرب عطلت التعميم الكامل حينها.
وتتواجد المهندسة إيناس الغول حالياً في دولة تشيلي، حيث تعكف على تطوير وتحديث نموذج المقطر الشمسي بمواصفات هندسية متقدمة وتسجيل ملكيته الفكرية وترخيصه رسمياً، تمهيداً للعودة فوراً إلى قطاع غزة لإعادة تصنيع الجهاز وتعميمه على كافة المناطق المحرومة.
وفي نهاية حديثها، قالت الغول: 'العلم والابتكار هما أنبل أدوات التغيير والصمود، ومشروعي ليس مجرد صندوق خشبي لتحلية المياه، بل هو رسالة حياة وأمل بأن غزة عصية على الانكسار، وأن معاناتنا تتحول بفضل الله ثم بالعلم إلى قوة تنقذ الأرواح وتثبت حقنا في الحياة'.

























































