اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٤ أيلول ٢٠٢٦
تقرير - شهاب
لم يعد الخطر في قطاع غزة مرتبطًا بالقصف وحده، بل بات حاضرًا أيضًا في المياه التي تصل إلى خيام النازحين، وفي الآبار وشبكات الصرف الصحي التي تضررت بشدة خلال الحرب.
ومع اقتراب موسم الأمطار، تتزايد المخاوف من أن تتحول أزمة المياه والصرف الصحي إلى عامل جديد يهدد حياة السكان ويزيد انتشار الأمراض.
وتظهر الأرقام حجم الخطر المتصاعد؛ إذ ارتفعت نسبة التلوث الميكروبيولوجي في مياه غزة من أقل من 6% إلى أكثر من 18% بين كانون الثاني/يناير وآب/أغسطس 2026، وفق نتائج تحليل آلاف عينات المياه.
وبالتزامن مع ذلك، ارتفعت حالات الإسهال الحاد من نحو 27 ألف حالة في آذار/مارس إلى أكثر من 48 ألف حالة في آب/أغسطس، وسط تحذيرات من أن الأمطار والفيضانات قد تزيد من تلوث مصادر المياه وانتشار الأمراض.
تلوث يتسع ومنظومة صرف تنهار
يقول مسؤول وحدة حماية البيئة في سلطة المياه، محمد مصلح، إن نسبة التلوث الميكروبيولوجي ارتفعت من نحو 6% إلى قرابة 18%، استنادًا إلى تحليل أكثر من 6900 عينة. ويرجع مصلح هذا الارتفاع إلى تسرب مياه الصرف الصحي إلى مصادر مياه الشرب والآبار، إلى جانب تلوث الصهاريج والأواني المستخدمة في نقل المياه وتخزينها.
ويحذر مصلح من خطورة هذا النوع من التلوث، الذي يعني وجود كائنات دقيقة ممرضة، مثل البكتيريا والفيروسات والطفيليات، يمكن أن تتسبب في أمراض خطيرة، بينها الكوليرا والتيفوئيد وشلل الأطفال.
وتتطابق هذه الأرقام تقريبًا مع نتائج منظمة الصحة العالمية، التي حللت أكثر من 6700 عينة مياه منذ بداية العام. وأظهرت النتائج ارتفاع نسبة التلوث الميكروبيولوجي نحو ثلاثة أضعاف خلال الفترة نفسها، من أقل من 6% إلى أكثر من 18%.
وربطت ممثلة منظمة الصحة العالمية في الأرض المحتلة، رينهيلده فان دي ويرد، بين تدهور جودة المياه وارتفاع حالات الإسهال الحاد، التي زادت من نحو 27 ألف حالة في آذار/مارس إلى أكثر من 48 ألف حالة في آب/أغسطس، وهو مؤشر وصفه مصلح بأنه 'خطير'.
وتكشف أرقام الصرف الصحي حجم الأزمة بصورة أكبر. فبحسب سلطة المياه، يجري يوميًا تصريف نحو 55 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي من دون معالجة؛ بينها 40 ألف متر مكعب تصب مباشرة في البحر، فيما تتسرب 15 ألف متر مكعب إلى البيئة عبر الحفر الامتصاصية وتسربات الشبكات.
وتراجعت قدرة قطاع غزة على معالجة مياه الصرف الصحي من نحو 185 ألف متر مكعب يوميًا قبل الأزمة إلى الصفر حاليًا، باستثناء أعمال التأهيل الجارية في محطة الشيخ عجلين. كما انخفضت نسبة السكان الذين تصلهم شبكات الصرف الصحي من 85% إلى 45%، في حين لا تعمل سوى 18 محطة ضخ بصورة جزئية من أصل 74 محطة.
ولا تتوقف آثار هذا الانهيار عند حدود المناطق التي تتسرب فيها مياه الصرف. فالخزان الجوفي في غزة يُعد مصدرًا مشتركًا للمياه في مختلف مناطق القطاع، ما يجعل تلوث جزء منه خطرًا يمتد إلى مناطق أخرى. وتشكل الآبار الجوفية المصدر الرئيس للمياه، بنسبة تصل إلى 85%.
وفي ظل هذا الوضع، أصبحت الصهاريج الحلقة الأضعف في رحلة وصول المياه إلى السكان. فبحسب تقارير أممية، فقد 82% من النازحين في غزة أمنهم المائي، وأصبح أكثر من 70% منهم يعتمدون بصورة كاملة على صهاريج المياه المنقولة، بعد خروج 90% من مرافق المياه والصرف الصحي عن الخدمة.
ويقدّر الخبير المائي مازن البنا أن الاحتلال دمر أكثر من 85% من شبكات المياه والخزانات والآبار ومحطات التحلية، ما أدى إلى انخفاض حصة الفرد اليومية من المياه إلى ما بين 5 و10 لترات، مقارنة بنحو 85 لترًا قبل الحرب.
وتعكس شهادات النازحين حجم الأزمة على الأرض. ففي غرب مدينة غزة، تقول سعاد فارس السيد، البالغة 37 عامًا والنازحة من جباليا مع أطفالها الستة، إن عائلتها تعتمد على صهاريج تصل بصورة غير منتظمة، وغالبًا لا تحصل إلا على جالون أو اثنين من المياه يوميًا.
وتضيف أن هذه الكمية لا تكفي للشرب والنظافة معًا، ما دفع الأسرة إلى الامتناع عن الاستحمام لأيام متواصلة، قبل أن يصاب أطفالها بأمراض جلدية.
وفي جنوب القطاع، يقول محمد مدوخ إن أطفاله يعانون نزلات معوية متواصلة بسبب شرب مياه مجهولة المصدر يشتريها من خزانات محمولة على عربات، مشيرًا إلى أن هذا المصدر هو الوحيد المتاح لعائلته.
أما أسيل ماهر، النازحة في مواصي خان يونس، فتصف مستوى شح المياه بالقول إن العائلات باتت تعيد استخدام المياه أكثر من مرة؛ إذ تجمع مياه الوضوء وغسل الأيدي في أوعية صغيرة لاستخدامها لاحقًا في دورات المياه.
شتاء يقترب ونافذة ضيقة للتدخل
لم تنتظر المؤشرات الوبائية وصول فصل الشتاء. فقد سجلت السلطات الصحية أكثر من 58 ألف إصابة بجدري الماء منذ بداية عام 2026، تركز أكثر من نصفها في محافظة خان يونس.
وكانت مجموعة الصحة الأممية قد حذرت من رصد نحو 9300 إصابة خلال أسبوعين فقط في أكثر من 130 منشأة صحية، مرجعة ارتفاع الإصابات إلى الاكتظاظ وارتفاع درجات الحرارة وتراجع خدمات المياه النظيفة.
ويربط مدير عام وزارة الصحة، منير البرش، انتشار المرض بتلوث مصادر المياه وتراجع خدمات الصرف الصحي وتراكم النفايات ونقص مستلزمات النظافة. كما أظهرت زيارات ميدانية لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية 'أوتشا' أن عددًا من مواقع النزوح يفتقر إلى مياه آمنة، مع تدفق مياه الصرف الصحي في الشوارع المحيطة بالمخيمات.
ومع اقتراب موسم الأمطار، تتزايد المخاوف من أن تتفاقم هذه الأوضاع. ويحذر مصلح من أن الأمطار الغزيرة قد تزيد من ترشح الملوثات ومياه الصرف الصحي واختلاطها بالخزان الجوفي وشبكات المياه، ما قد يؤدي إلى توسع انتشار الأمراض.
وتحذر منظمة الصحة العالمية من الخطر نفسه، إذ تقول فان دي ويرد إن الفيضانات في مناطق النزوح المكتظة قد تنقل مياه الصرف الصحي والنفايات والمياه الملوثة إلى الأماكن التي ينام فيها السكان ويطبخون ويعتنون بأطفالهم.
كما تحذر المنظمة من أن المياه الراكدة توفر بيئة مناسبة لتكاثر الحشرات، في حين يمكن أن تتحول الخيام التي تغمرها المياه إلى بيئة لنمو العفن والبكتيريا، بما يزيد من خطر التهابات الجهاز التنفسي، خصوصًا بين الأطفال.
ولمواجهة هذه المخاطر، يدعو مصلح إلى تنفيذ مجموعة من الإجراءات العاجلة، تبدأ بتأمين الآبار الصغيرة المنتشرة في مواقع النزوح ومنع وصول الملوثات إليها، وصيانة شبكات المياه للحد من اختلاطها بمياه الصرف الصحي، وتركيب أجهزة للكلورة في جميع الآبار، إلى جانب تكليس المياه المحلاة وكلورتها.
وتحتاج منظومة المياه والصرف الصحي أيضًا إلى احتياجات تشغيلية أساسية، بينها توفير الوقود بصورة منتظمة ومستدامة، وتأمين المضخات والمولدات وقطع الغيار الكهروميكانيكية، وتوفير شاحنات شفط ومعدات ثقيلة، وتوسيع حلول الصرف الصحي في مواقع النزوح، إلى جانب ضمان وصول آمن للفرق العاملة في هذا القطاع.
لكن هذه الإجراءات تواجه عائقًا إضافيًا يتمثل في القيود المفروضة على إدخال مواد التعقيم، التي تصل إلى القطاع بكميات محدودة. ولذلك دعت منظمة الصحة العالمية إلى إدخال الإمدادات الإنسانية دون عوائق أو تأخير.
وبينما ارتفعت نسبة التلوث الميكروبيولوجي من أقل من 6% إلى أكثر من 18% خلال أشهر قليلة، وارتفعت حالات الإسهال الحاد من نحو 27 ألفًا إلى أكثر من 48 ألف حالة، يقترب الشتاء من قطاع يعاني أصلًا انهيارًا واسعًا في شبكات المياه والصرف الصحي.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو الفترة الفاصلة قبل هطول الأمطار فرصة محدودة للتدخل، إذ إن استمرار تلوث مصادر المياه وتدهور الصرف الصحي مع حلول موسم الأمطار قد يفتح الباب أمام تفاقم المخاطر الصحية وانتشار الأمراض على نطاق أوسع.

























































