اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ١٣ تموز ٢٠٢٦
تقرير - شهاب
ثلاثة عقودٍ ظلّ اسمه يتردّد في بيانات الاحتلال أكثر مما رآه الناس؛ رجلٌ من الظلّ صنعته خان يونس وصنع أسطورتها، حتى خُيّل لخصومه أنه لا يُصاب.
لكنّ فجر الثالث عشر من تموز/يوليو 2024 حمل غير ما اعتادوا؛ ففي مخيم المواصي الذي أعلنه الاحتلال نفسه «منطقة آمنة»، هوت الصواريخ على خيام النازحين، وبين الركام غاب القائد الميداني رافع سلامة، قائد لواء خان يونس في كتائب الشهيد عز الدين القسّام، الجناح العسكري لحركة حماس، ورفيق درب القائد العام محمد الضيف حتى آخر لحظة.
عامان مرّا، ولا يزال حضوره أطغى من غيابه؛ وفي هذا التقرير نفتح صفحات سيرةٍ اختصرت حكاية جيلٍ كاملٍ من المقاومين: من مقعد المعلّم في المخيم، إلى مصافّ القادة المطاردين، إلى لحظة الشهادة التي جمعته بـ'الضيف'.
نشأةٌ في كنف التضحية
وُلد رافع سلامة ونشأ في مخيم خان يونس جنوبي قطاع غزة، في كنف عائلةٍ فلسطينية دفعت من دماء أبنائها ثمناً باهظاً على درب الحرية.
ولم تكن التضحية عند آل سلامة شعاراً، بل قدراً عاشته العائلة بتفاصيلها؛ فوالدته الشهيدة رحيمة استُشهدت حين اقتحم جنود الاحتلال منزل العائلة، ويُروى أنها ثبتت أمام الباب تحمي ابنها بجسدها حتى تأكدت من نجاته، فأمطرها الجنود بالرصاص.
أما خاله جواد أبو شمالة، عضو المكتب السياسي لحماس والمقرّب من الشهيد يحيى السنوار، فقد ارتقى في أول أيام معركة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023.
من مقاعد التدريس إلى صفوف القسّام
بدأ سلامة حياته العملية مدرّساً في مدرسة الحوراني الإعدادية التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) في مخيم خان يونس، في وظيفةٍ مرموقة آمنة.
غير أنه سرعان ما حسم خياره، فاستقال ليتفرّغ للمقاومة، ملتحقاً بصفوف كتائب القسّام في أوائل تسعينيات القرن الماضي. ومع مرور السنوات، أثبت كفاءةً قتالية ومهارات قيادية استثنائية، فتولّى قيادة كتيبة خان يونس–القرارة تحت إمرة القائد محمد السنوار، قبل أن يُعهد إليه بقيادة لواء خان يونس عام 2016، ليغدو أحد أبرز قادة الكتائب والمقرّبين من قائدها العام الشهيد محمد الضيف.
قائدٌ في الميدان.. متواضعٌ بين إخوانه
لم يكن سلامة مجرد قائد عسكري يُحسب له حساب، بل كان — كما يصفه المقرّبون منه — نموذجاً للمجاهد الصادق الذي جمع بين صلابة الميدان وتواضع الأخلاق. عُرف بحرصه الشديد على وحدة الصف، وبعمله في صمتٍ بعيداً عن الأضواء.
يقول أحد رفاقه: «كان رافع مثالاً للمجاهد المؤمن، لا يعرف الكلل ولا التردد، عابداً زاهداً قلبه معلّقٌ بالله، يتقدّم الصفوف بثباتٍ وإيمان، ويضع فلسطين دوماً في قلبه ووجدانه».
محطاتٌ نوعية في مواجهة الاحتلال
ارتبط اسم رافع سلامة بعددٍ من العمليات النوعية التي شكّلت نقاط تحوّل في مسار المواجهة مع الاحتلال. فقد نسب إليه الاحتلال دوراً محورياً في عملية الشهيد عمر طبش عام 2005 التي استهدفت غرفة ضباط جهاز الأمن الداخلي «الشاباك» في موقع أروحان العسكري وسط القطاع، وفي عملية أسر الجندي جلعاد شاليط عام 2006 التي أفضت لاحقاً إلى صفقة «وفاء الأحرار» وتحرير مئات الأسرى الفلسطينيين عام 2011.
كما ربطه الاحتلال بعملية «صيد الأفاعي 3» عام 2007 التي نفّذها الشهيد أحمد أبو طاحون قرب معبر صوفا، وبالخطط القتالية والدفاعية للمقاومة خلال عدوان 2014، وصولاً إلى عدّه أحد أبرز المخطّطين لعملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023.
سنوات المطاردة.. رأسٌ مطلوبٌ بمئتَي ألف دولار
لم يغفل الاحتلال يوماً عن مكانة رافع سلامة، فطارده عبر السنين وأدرج اسمه على قوائم أكثر المطلوبين، ورصد مكافأة قدرها 200 ألف دولار لمن يدلي بمعلوماتٍ عنه، ونشر صورته إلى جانب قادة القسّام محمد الضيف ويحيى السنوار ومحمد السنوار.
وتعرّض لمحاولات اغتيالٍ متكررة نجا منها جميعاً، كان أعنفها عام 2021 حين دمّر الاحتلال منزله في غزة بذريعة أنه «جزءٌ من البنية التحتية»، وهو الاستهداف الذي قالت عنه صحيفة «يديعوت أحرونوت» آنذاك إن «قادةً بارزين نجوا بفارق لحظات، من بينهم سلامة والسنوار».
المواصي.. مجزرةٌ باسم اغتيال قائد
في الثالث عشر من تموز/يوليو 2024، وجّه الاحتلال ضربةً جوية عنيفة استهدفت مخيم المواصي للنازحين جنوبي خان يونس — وهي منطقة كان الاحتلال نفسه قد أعلنها «آمنة» ودفع إليها عشرات الآلاف من المدنيين. أسفرت الغارة عن ارتقاء نحو تسعين شهيداً وإصابة ما يقارب 289 آخرين، معظمهم نساءٌ وأطفال، في مجزرةٍ موثّقة بحق النازحين.
زعم الاحتلال أنه استهدف القائدين محمد الضيف ورافع سلامة، غير أنه لم يقدّم دليلاً قاطعاً، وبقي مصير القادة غامضاً لأشهر.
ولم تُحسم رواية استشهاد سلامة رسمياً إلا في الثلاثين من كانون الثاني/يناير 2025، حين نعاه المتحدث باسم كتائب القسّام أبو عبيدة إلى جانب الشهيد محمد الضيف ونخبةٍ من قادة المجلس العسكري.
إرثٌ لا يغيب
برحيله، فقدت المقاومة الفلسطينية قائداً صلباً نذر حياته للدفاع عن شعبه وأرضه، لكنّ حكايته لم تنطفئ باستشهاده. فرافع سلامة، ابن المخيم الذي ترك الطباشير ليحمل السلاح، تحوّل إلى عنوانٍ للصمود والتحدّي، ونموذجٍ لجيلٍ من القادة الميدانيين الذين خرجوا من رحم اللجوء.
وبعد عامين على غيابه، يبقى اسمه — ومعه صورة أمّه التي فدته بروحها ومنطقة المواصي التي ضمّت دمه ودم عشرات النازحين — شاهداً على معركةٍ لم تنتهِ فصولها بعد، وذاكرةً تتوارثها الأجيال على طريق فلسطين.

























































