اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ١٤ أيلول ٢٠٢٦
في لبنان، لا يجوز الاستهانة بالملفات المعيشية مهما بدت صغيرة في بدايتها. فالتاريخ القريب لا يزال ماثلاً أمام الجميع: خمسة سنتات فقط على خدمة «واتساب» كانت كافية في تشرين الأول 2019 لإشعال شرارة تحولت إلى انتفاضة شعبية واسعة، وانتهت باستقالة حكومة الرئيس سعد الحريري، فيما شكلت تداعياتها ضربة سياسية كبرى لعهد الرئيس ميشال عون، الذي انتهى لاحقاً على وقع الانهيار المالي والاقتصادي والسياسي.
المغزى اليوم ليس المقارنة الحرفية بين المرحلتين، بل التذكير بأن الشارع اللبناني لا يحتاج دائماً إلى أزمة ضخمة كي يتحرك. أحياناً تكون الشرارة صغيرة، لكنها تأتي فوق تراكم طويل من الغضب والضغط وفقدان الثقة.
وهذا تحديداً ما يجعل الملفات المعيشية أمام الحكومة في المرحلة المقبلة شديدة الحساسية. فالكهرباء والمحروقات والأقساط والاستشفاء والدواء والضرائب والرسوم والأسعار والأجور ليست ملفات تقنية منفصلة، بل عناصر تتجمع يومياً في حياة المواطن وتضغط على قدرته على الصمود.
لكن المشهد اللبناني اليوم يختلف عن عام 2019 في نقطة أساسية: هناك وعي أكبر لدى الرأي العام تجاه الأولويات السياسية التي تحكم الوضع الاقتصادي والمعيشي. فجزء واسع من اللبنانيين بات يربط بصورة مباشرة بين الاستقرار الأمني والسياسي وبين قدرة لبنان على استعادة الدعم العربي والدولي، وجذب الاستثمارات، وإعادة إعمار ما تضرر، وتحريك الاقتصاد وخلق فرص العمل.
وفي مقدمة هذه الأولويات يأتي ملف سلاح حزب الله، الذي لم يعد يُنظر إليه في النقاش العام باعتباره ملفاً أمنياً منفصلاً عن الاقتصاد، بل باعتباره جزءاً من المعادلة التي تحدد مستقبل الدولة وعلاقاتها الخارجية وقدرتها على استقطاب الدعم والاستثمارات. وبات السؤال المطروح لدى كثير من اللبنانيين أكثر وضوحاً: كيف يمكن جذب الأموال والاستثمارات وإعادة بناء الثقة الدولية فيما يبقى قرار الحرب والسلم خارج الإطار الحصري للدولة؟
من هنا، فإن أي محاولة لاستثمار الغضب المعيشي سياسياً قد تصطدم اليوم بوعي مختلف لدى الرأي العام. فالمواطن يريد الكهرباء والدواء والتعليم والعمل والقدرة الشرائية، لكنه يريد أيضاً دولة مستقرة ذات قرار أمني وسياسي واضح، لأن هذه الشروط باتت في نظره مرتبطة ببعضها البعض.
وهذه النقطة تحديداً قد تجعل مهمة حزب الله وحلفائه في استثمار الشارع أكثر تعقيداً مما كانت عليه في مراحل سابقة. فرفع شعارات اجتماعية محقة لا يكفي بالضرورة لإقناع اللبنانيين بأن المشكلة اقتصادية فقط، بينما يدرك جزء متزايد منهم أن الأزمة الاقتصادية لها جذور سياسية وأمنية، وأن عودة لبنان إلى محيطه العربي والدولي واستعادة الثقة به تمر أيضاً عبر تثبيت مرجعية الدولة في القرارات السيادية.
ومع ذلك، لا يعني هذا الوعي أن الحكومة أصبحت في مأمن. فالاحتياجات المعيشية لا تنتظر التسويات السياسية، والمواطن لا يستطيع دفع فواتيره بالوعود. وإذا فشلت السلطة في ترجمة المسار السياسي والأمني إلى تحسن ملموس في حياة الناس، فإن الفجوة بين الأمل والواقع قد تعيد إنتاج الغضب الشعبي.
وهنا تكمن المفارقةفي عام 2019 كانت «خمسة سنتات» كافية لإشعال الشارع، أما اليوم فقد تكون الأزمة أكبر بكثير، لكن الرأي العام أكثر وعياً لتعقيدات المشهد وأولوياته. ولذلك لن يكون السؤال فقط: هل يتحرك الشارع؟
بل أيضاًمن يستطيع إقناع اللبنانيين بأن معاناتهم المعيشية يمكن فصلها عن مستقبل الدولة وسلاحها واستقرارها وعلاقاتها الدولية؟
فلبنان أمام مرحلة دقيقة المواطن يريد خبزه وكهرباءه ودواءه، لكنه يريد في الوقت نفسه دولة قادرة على حماية استقراره وفتح أبواب الدعم والاستثمار أمامه. وبين هذين المسارين، ستجد الحكومة نفسها أمام الاختبار الأصعب: أن تثبت أن معالجة المعيشة تبدأ من الاقتصاد، لكنها لا تنجح من دون دولة مستقرة وقرار سيادي واضح.
وفي بلد علّمته تجربة 2019 أن الشرارة الصغيرة قد تقلب المشهد السياسي بأكمله، فإن تجاهل الملفات المعيشية سيكون مخاطرة، كما أن محاولة استغلالها سياسياً قد تكون مخاطرة أكبر.
فـ5 سنتات أسقطت حكومة، وتراكم الأزمات أسهم في إسقاط عهد… أما اليوم، فقد يكون اللبناني أكثر وعياً بأن إنقاذ معيشته يبدأ أيضاً من إنقاذ دولته.











































































