اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٢٤ أب ٢٠٢٦
شهادات وأدلة جديدة
ولم تأتِ عودة الصحيفة إلى الملف باعتبارها استذكارًا لصحفية فلسطينية ارتقت أثناء أداء عملها، بل جاءت بعد جمع شهادات وأدلة جديدة وإعادة فحص مواد كانت متاحة منذ وقوع الهجوم، في تحقيق موسع سعى إلى اختبار الرواية التي قدمها الاحتلال بشأن الهدف الذي استُهدف داخل المستشفى، وما إذا كانت تلك الرواية تنسجم مع الأدلة التي خلفها الهجوم.
وتقدم هذه المادة ترجمة وإعادة صياغة صحفية لمضمون التحقيق الأصلي المنشور في صحيفة «إندبندنت» البريطانية، مع الاستناد إلى ما أوردته الصحيفة من شهادات وتحليلات، وإلى التحقيق السابق الذي أجرته وكالة 'رويترز' حول الواقعة.
كانت مريم أبو دقة، البالغة 33 عامًا، مصورة 'إندبندنت عربية' و'أسوشيتد برس'، وتقيم في مبنى متضرر جزئيًا في خانيونس تتقاسمه مع صحفيات أخريات. وفي صباح 25 أغسطس/آب 2025، كانت الحرب تسير كالمعتاد حولها؛ قصف، حركة نزوح، ومراسلون يحاولون التقاط ما يمكن من صور وشهادات في مدينة لم يعد فيها مكان آمن للعمل الصحفي.
وفي الجهة الأخرى من المشهد، كان مستشفى ناصر قد تحول إلى نقطة تجمع للصحفيين العاملين في خانيونس، وبينهم مصور وكالة 'رويترز' حسام المصري، الذي كان يستخدم درجًا خارجيًا في الجهة الشرقية من المستشفى لوضع كاميرا للبث المباشر. وكان الموقع معروفًا للصحفيين، فيما ظلت الكاميرا تعمل بصورة علنية لنقل ما يجري في المنطقة.
وفي أعقاب الهجوم، قالت قوات الاحتلال إن الكاميرا التي كانت موجودة في الموقع كانت هدفًا عسكريًا، وادعت أنها مرتبطة بحركة حماس وتستخدم لمراقبة القوات الإسرائيلية. لكن تحقيقًا أجرته 'رويترز' لاحقًا خلص إلى أن الكاميرا كانت تابعة للوكالة وتستخدم للبث المباشر، وأن الجيش الإسرائيلي كان على علم بوجود فرق صحفية في مستشفى ناصر.
هذه الرواية كانت واحدة من النقاط التي دفعت 'إندبندنت' إلى العودة إلى القضية، إذ أعادت الصحيفة فحص ما جرى في الموقع، مستندة إلى شهادات ستة صحفيين وشخصين من المجتمع المحلي وأطباء دوليين، إلى جانب تحليل صور ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية وفحص بقايا الذخائر التي عُثر عليها في المكان.
الفاصل الزمني بين الضربتين
وتكشف إعادة بناء الأحداث أن الهجوم لم يتوقف عند الضربة الأولى التي أصابت موقع الكاميرا، وقُتل فيها المصور حسام المصري، إذ هرع بعد ذلك صحفيون ومسعفون إلى المكان للتعامل مع المصابين وتوثيق آثار القصف، قبل أن يتعرض الموقع لضربة ثانية أوقعت عددًا آخر من الشهداء، بينهم مريم أبو دقة وصحفيون آخرون.
وتولي 'إندبندنت' أهمية خاصة للفاصل الزمني بين الضربتين، ولما حدث خلاله، بعدما تحول الموقع الذي استُهدف أولًا إلى نقطة تجمع للصحفيين والمسعفين. وبحسب شهادات نقلها التحقيق، شوهدت طائرات مسيّرة 'إسرائيلية' في المنطقة بعد الضربة الأولى، بينما كان الأشخاص يتجمعون في الموقع.
وتحاول الصحيفة من خلال هذه التفاصيل إعادة بناء المشهد الذي سبق الضربة الثانية، خصوصًا أن الأشخاص الموجودين في المكان لم يكونوا في موقع سري أو غير معروف، بل كانوا داخل مستشفى معروف، وبينهم صحفيون يعملون لحساب مؤسسات إعلامية دولية ومسعفون وصلوا إلى الموقع بعد سقوط الضحايا في الضربة الأولى.
ولتعزيز هذه الرواية، استعانت 'إندبندنت' بخبيرين في مجال الأسلحة، هما كريس كوب سميث وإن آر جيونز-جونز، لفحص الشظايا التي عُثر عليها في موقع الهجوم، وخلص كلاهما إلى أن طبيعة هذه الشظايا تتوافق مع أجزاء من قذيفة دبابة عيار 120 ملم.
كما أخضعت الصحيفة التسجيلات الصوتية للهجوم للتحليل، في محاولة لتحديد نوع السلاح وموقع إطلاقه، قبل أن تقارن النتائج بصور الأقمار الصناعية للمنطقة. وأشار التحقيق إلى أن التحليل قاد إلى تقدير موقع إطلاق النار من منطقة تبعد نحو 2.5 كيلومتر شمال شرقي مستشفى ناصر، حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية وجود قوات وآليات إسرائيلية في المنطقة.
ولم تكتفِ الصحيفة بالشهادات الفلسطينية، بل تحدثت أيضًا مع جنديين إسرائيليين سابقين خَدما في قوات الاحتياط جنوب قطاع غزة، أحدهما في وحدة دبابات، وناقشت معهما طبيعة الهجوم وطريقة اتخاذ القرارات المتعلقة بإطلاق النار على مواقع مدنية.
وتكتسب هذه الشهادات أهمية في التحقيق لأنها تأتي من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها، وتتناول طبيعة استخدام الدبابات والقواعد التي تحكم استهداف مواقع تقع داخل منشآت مدنية، خصوصًا عندما يكون المكان مستشفى ويضم مدنيين وصحفيين ومسعفين.
كما عادت 'إندبندنت' إلى طبيعة العلاقة بين مستشفى ناصر والقوات الإسرائيلية، ونقلت عن مسؤول في المستشفى أن الجيش كان يملك وسائل للتواصل مع الإدارة، وأن الاتصال بين الطرفين كان قائمًا، فيما أكدت 'رويترز' أن الجيش كان يعرف بوجود فرقها الصحفية في المستشفى، وأن الوكالة لم تتلق تحذيرًا قبل الهجوم.
وتضع هذه التفاصيل الرواية الإسرائيلية بشأن الكاميرا في سياق أوسع، خصوصًا أن الكاميرا التي قيل إنها هدف عسكري كانت، بحسب تحقيق 'رويترز'، كاميرا تابعة لوكالة دولية، وأن وجود الصحفيين في المكان كان معروفًا، بينما لم يسبق الضربة تحذير للصحفيين أو إدارة المستشفى.
وجود تناقضات
وفي جانب آخر من التحقيق، تناولت 'إندبندنت' الأسماء التي أعلن عنها الاحتلال باعتبارهم مسلحين ارتقوا في الهجوم، مشيرة إلى وجود تناقضات بشأن هوية بعض الأشخاص الذين قدمتهم الرواية الإسرائيلية باعتبارهم أهدافًا عسكرية، ومن بينهم عمر أبو تيم، الذي قال إسماعيل الثوابتة، رئيس المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، لـ'رويترز'، إنه لم يكن بين الذين قتلوا في هجوم 25 أغسطس/آب.
وتدفع هذه المعطيات التحقيق نحو الجانب القانوني، إذ استعانت 'إندبندنت' بخبير في القانون الدولي لفحص الوقائع التي جمعتها، في ضوء حماية المستشفيات والمدنيين والصحفيين، وقواعد التمييز والتناسب والاحتياطات الواجب اتخاذها عند تنفيذ الهجمات.
وبحسب التحليل القانوني الذي أوردته الصحيفة، فإن وجود هدف عسكري مزعوم داخل منشأة مدنية لا يلغي تلقائيًا الالتزامات المفروضة على القوة المهاجمة، كما أن طبيعة الهدف والوسيلة المستخدمة وحجم الضرر المتوقع على المدنيين كلها عوامل تدخل في تقييم قانونية الهجوم.
ويرى الخبير الذي تحدثت إليه 'إندبندنت' أن الأدلة التي جمعتها الصحيفة تستدعي النظر في احتمال استهداف مدنيين وشن هجوم غير متناسب، وهي أفعال يمكن أن ترقى إلى جرائم حرب إذا ثبتت عناصرها.
وبذلك، أعادت الصحيفة قضية مريم أبو دقة إلى الواجهة من زاوية تتجاوز قصة مقتل صحفية فلسطينية في أثناء عملها، لتبحث في سلسلة القرارات والوقائع التي سبقت مقتلها، وفي حقيقة الهدف الذي استُهدف، وطبيعة السلاح المستخدم، والجهة التي أطلقت النار، وما إذا كان بالإمكان معرفة وجود الصحفيين والمسعفين في المكان قبل الضربة الثانية.
مريم، التي كانت تعمل في واحدة من أخطر البيئات الصحفية في العالم، لم تكن في موقع عسكري عندما قتلت، بل داخل مستشفى، في مكان لجأ إليه الصحفيون لتغطية حرب الاحتلال ونقل ما يحدث في خانيونس. وكانت قد واصلت عملها رغم المخاطر، فيما تمكن ابنها الوحيد غيث، البالغ 14 عامًا، من الخروج من غزة إلى الإمارات قبل استشهادها، بينما بقيت هي في القطاع لمواصلة عملها.
ملف مفتوح
وبعد عام على استشهادها، لم تعد قصة مريم مجرد ذكرى لصحفية فلسطينية قتلت في حرب الإبادة، وإنما تحولت إلى ملف تعود إليه التحقيقات الصحفية بحثًا عن إجابات لم تحسمها الرواية الإسرائيلية، خصوصًا بعدما أظهرت الأدلة التي جمعتها 'إندبندنت' وتقاطعت مع تحقيق 'رويترز' أن الكاميرا التي قيل إنها كانت هدفًا عسكريًا كانت كاميرا صحفية، وأن الجيش كان يعلم بوجود الصحفيين في المستشفى.
ومن هنا تأتي أهمية إعادة فتح الملف في ذكرى استشهاد مريم؛ فبعد عام، لم تعد القضية متعلقة فقط باللحظة التي سقطت فيها الصحفية الفلسطينية، وإنما بما سبقها وما تلاها، وبالأسئلة التي تتركها الضربتان في مستشفى ناصر حول استهداف الصحافة الفلسطينية، وحول ما إذا كانت مريم وزملاؤها قد سقطوا ضحية خطأ عسكري، أم ضحية هجوم كان ينبغي أن يخضع منذ البداية لتحقيق مستقل باعتباره جريمة حرب محتملة.
المصدر: تحقيق صحيفة «إندبندنت» البريطانية، مع الاستناد إلى تحقيق وكالة «رويترز» حول استهداف مستشفى ناصر.

























































