اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٦ تموز ٢٠٢٦
لم يعد السؤال في الجنوب اللبناني متى تتوقّف الحرب، بل كيف تنتهي من دون أن تعود. فالمواجهة الأخيرة، وإن انحسر لهيبها، لم تنطفئ تداعياتها، ولم يغادر الدمار أرضها، ولا القلق نفوس أهلها. وما زالت القرى المهدّمة شاهدة على معركة توقّفت عسكريّاً إلى حدّ ما، لكنّها لم تُقفل سياسيّاً ولا إنسانيّاً، فيما يقف عشرات الآلاف من أبناء الجنوب بين انتظار إعادة الإعمار وترقّب مصير جبهة تبدو معلّقة بين هدنة هشّة واحتمالات انفجار جديد.في قلب هذا المشهد، يبرز اتفاق الإطار بوصفه محطّة تأسيسيّة أوليّة ترسم معالم المرحلة المقبلة أكثر مما تمثّل تسوية نهائيّة. فهو يفتح نافذة على مسار مختلف، لكنّه لا يكفي وحده لصناعة الاستقرار، لأنّ نجاحه يبقى رهناً بإرادات سياسيّة متعارضة، وبموازين إقليميّة ودوليّة سريعة التبدّل. في هذا السياق، كشفت المواجهة الأخيرة تحوّلاً عميقاً في موازين القوّة. فقد أكّدت إسرائيل تفوّقها الجوّي والاستخباراتيّ والتكنولوجيّ، وتمكّنت من توجيه ضربات قاسية إلى البنية العسكريّة والقياديّة ل حزب الله، وإلى البيئة المدنيّة في الجنوب ومناطق أخرى. غير أنّ الحصيلة النهائيّة بدت مختلفة عن أهداف الطرفين. فإسرائيل لم تستطع إنهاء التهديد القائم على حدودها الشماليّة، ولذلك أعادت ربط أيّ تسوية نهائيّة بمعالجة مسألة سلاح الحزب. وفي المقابل، تلاشت مفاهيم الردع والحماية والتحرير. فلم يتمكّن حزب الله من منع تكرار الكارثة التي تصيب الجنوب مع كلّ حرب، ولا من تجنيب اللبنانيين الأثمان الإنسانيّة والاقتصاديّة والعمرانيّة الباهظة التي تتجدّد مع تكرار الاشتباكات.هكذا، سقطت مجدّداً فرضيّة أن القوّة العسكريّة وحدها قادرة على إنتاج الأمن. فما نشأ خلال السنوات الماضية لم يكن توازن ردع يحول دون اندلاع الحروب، بل توازن استنزاف أبقى الصراع مفتوحاً، وجعل المدنيين وقراهم واقتصادهم الخاسر الأوّل باستمرار.
لذلك، لم يعد الجنوب مجرّد ميدان عسكريّ، بل تحوّل إلى قضيّة وطنيّة وسياديّة وإنسانيّة بامتياز. فالقرى المدمّرة، والأراضي التي عاد إليها الاحتلال الإسرائيليّ مع توسّعه بدلاً من إنهائه، والعائلات المهجّرة، والانهيار الذي أصاب الاقتصاد المحلّي، كلّها تؤكّد أنّ الأزمة تجاوزت الحسابات العسكريّة لتصبح قضيّة تتعلّق بمستقبل الجنوب، بل بمستقبل لبنان.من هنا، لم يعد ممكناً انتظار ما ستؤول إليه المفاوضات الأميركيّة - الإيرانيّة فقط. كما أنّ الاكتفاء برفض أيّ مسار مطروح من دون تقديم خيار واقعيّ آخر متاح لا يؤدّي إلاّ إلى إطالة عمر المأزق وتعميق كلفته الوطنيّة.في صلب هذا النقاش، تبرز مسؤوليّة الدولة اللبنانيّة، كما مسؤوليّة البيئة السياسيّة الشيعيّة، واللبنانيين جميعاً، في مقاربة مرحلة تختلف جذريّاً عما سبقها. فالبحث لا يدور حول الحقوق الوطنيّة أو رفض الاحتلال، وهي ثوابت لا خلاف عليها ومحسومة، بل حول الوسائل الأجدى لحماية هذه الحقوق وصون الأرض والناس والدولة معاً. والمطلوب ليس التخلّي عن أيّ حقّ لبنانيّ، ولا القبول بانتقاص السيادة، وإنّما فكّ ارتباط الوضع الجنوبيّ بمنطق الصراع المفتوح ومتطلّبات المقارعة الإقليميّة والمحاور الخارجيّة، كما بناء قاعدة تصبح فيها الدولة المرجعيّة الوحيدة القادرة على حماية الحقوق وترجمتها سياسيّاً ودبلوماسيّاً وقانونيّاً، بما يجنّب الجنوب البقاء أسيراً لدورة متواصلة من الحروب والدمار.مع ذلك، لا يزال جانب من الجدل العام يتركّز على رفض اتفاق الإطار، مع التعويل على نتائج التفاوض الأميركيّ ـ الإيرانيّ لوقف دائم لإطلاق النار وتأمين الانسحاب الإسرائيليّ. غير أنّ هذا الرهان، مهما كانت مبرّراته، لا يجيب عن المعضلة الجوهريّة. فمن يضمن هذه الخلاصة، وماذا لو أخفقت تلك المفاوضات؟ بالمقابل، هل استساغت إسرائيل حقّاً اتفاق الإطار؟ وهل يمكن بالنتيجة بلوغ تسويةٍ مستقرّة، سواء بين الأميركيين والإيرانيين أو بين اللبنانيين والإسرائيليين، من دون مقاربة مسألة السلاح، وهي العقدة التي تتصدّر الشروط الإسرائيليّة، فيما بات حصره بيد الدولة الدولة مطلباً لبنانيّاً رسميّاً وشعبيّاً واسعاً، قبل أن يصبح بنداً ثابتاً على جدول أعمال المجتمعيْن العربيّ والدوليّ؟إنّ تجاهل هذه الأسئلة لا يلغيها، بل يؤجّل مواجهتها. أمّا الجنوب، فلا يملك ترف الانتظار. فكلّ يوم يمرّ من دون رؤية واضحة يعني مزيداً من التأخير في إعادة الإعمار، ومزيداً من القلق لدى السكان، واستنزافاً إضافيّاً لدولة ترزح أصلاً تحت أعباء أزماتها الماليّة والسياسيّة.
اليوم، لم يعد التحدّي يقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار أو تأمين الانسحاب الإسرائيليّ، بل يتمثّل في بناء مشروع وطنيّ يعيد الجنوب إلى قلب الدولة، ويحوّله من ساحة اشتباك دائم إلى مساحة استقرار وتنمية وحياة.إنّ الدعوة إلى كلمةٍ سواء لم تعد ترفاً سياسيّاً، بل باتت حاجةً وطنيّةً لا تحتمل مزيداً من التأجيل. وإذا كانت الدولة قد وضعت سبيلاً للخروج من منطق الجبهة المفتوحة نحو نهج الاستقرار، فمن الحقّ والواجب المناقشة والعمل على تحسينه، حين يتحوّل إلى اتفاق تفصيليّ للتنفيذ. لكنّ الاعتراض وحده، أو الاعتراض لمجرّد الاعتراض، أو السعي إلى انتزاع الملفّ التفاوضيّ من مرجعيّته الدستوريّة وإلحاقه بجهّةٍ خارجيّة لا تنظر إليه إلاّ من زاوية مصالحها ونفوذها، لم يعد خياراً يمكن للبنان أن يحتمله. فلبنان أوّلًا، وهكذا يجب أن يكون. وإذا كان هذا المسار مرفوضاً لدى البعض، فأين البديل الجدّي القادر على حماية الجنوب، وإعادة إعماره، وصون سيادة الدولة واستقرارها؟ فالدول لا تُبنى بإدامة المراوحة، بل بحسم خياراتها الوطنيّة. وأخطر ما قد يواجهه لبنان ليس الخلاف على الحلّ، بل أن يتحوّل غيابه إلى حالةٍ مألوفة، ثم إلى خيارٍ مرغوب ومطلوب، يُتعامَل معه وكأنّه الحلّ نفسه.











































































