اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
لم تعد الممرات البحرية في الشرق الأوسط تحمل النفط والبضائع فقط؛ فجزء مهم من حركة البيانات العالمية يمر أيضاً عبر كابلات بحرية تمتد في مناطق حساسة مثل البحر الأحمر والخليج. ولهذا فإن أي اضطراب واسع قرب باب المندب أو مضيق هرمز لا يثير أسئلة عن السفن والطاقة والتجارة وحدها، بل يفتح سؤالاً أقل ظهوراً: ماذا يحدث إذا تعرضت بعض مسارات الاتصال الدولية للضرر أو الضغط، أو تأخر إصلاحها بسبب الظروف الأمنية؟ ففي اقتصاد يعتمد على المدفوعات الرقمية والحوسبة السحابية والخدمات الإلكترونية، أصبح استمرار الاتصال جزءاً من استمرار النشاط الاقتصادي نفسه.
ولم تعد مخاطر تعطل الاتصال الرقمي مجرد احتمال نظري. فقد شهدت السنوات الأخيرة حوادث فعلية كشفت حساسية شبكات الاتصال الدولية، من بينها تعطل أربعة كابلات بحرية قبالة غرب أفريقيا عام 2024، ما أثر في الاتصال في 13 دولة، إلى جانب أضرار أصابت كابلات في البحر الأحمر خلال العام نفسه. وتتنوع أسباب هذه الأعطال بين العوامل الطبيعية والأنشطة البشرية، إلا أن الدرس الأهم يتمثل في أن تركز حركة البيانات في مسارات محدودة قد يحول أي تعطل موضعي إلى أثر اقتصادي أوسع، ما يجعل تنويع المسارات وتعزيز البدائل جزءاً من المرونة الاقتصادية، لا مجرد مسألة تقنية.
لهذا لم تعد الكابلات البحرية مجرد بنية تخص شركات الاتصالات. هي اليوم جزء من البنية الأساسية التي تقوم عليها البنوك والجمارك والتجارة والخدمات السحابية وسلاسل التوريد والعمل الحكومي. وإذا تعطلت خدمة غير أساسية لساعات، فقد يبقى أثرها محدوداً. أما إذا تأثرت أنظمة الدفع أو المنصات الجمركية أو الاتصالات الحكومية، فإن المشكلة تصبح اقتصادية بسرعة. وهنا يجب أن يتغير السؤال من: هل يوجد اتصال بديل؟ إلى: ما الخدمات التي يجب ألا تتوقف، وكم يمكنها تحمل الضغط، وما الخسارة إذا امتد التعطل ست ساعات أو يوماً أو ثلاثة أيام؟
عندما تصبح كلفة التعطل معروفة، يصبح قرار الاستثمار أوضح. فقد يكون إنشاء مسار إضافي أو سعة احتياطية أو استضافة محلية مكلفاً، لكن إذا كانت كلفة توقف خدمة حيوية أعلى بكثير، يصبح هذا الاستثمار مبرراً اقتصادياً. والعكس صحيح؛ فليس كل نظام بحاجة إلى المستوى نفسه من الحماية. لذلك ينبغي ترتيب الأولويات حسب أثرها على الاقتصاد والمجتمع، لا حسب الجانب الفني وحده. وهذا يفتح الباب لقياس الجاهزية عملياً: كم يستغرق التحول إلى البديل؟ وهل البدائل مستقلة فعلياً أم تلتقي في نقطة ضعف مشتركة؟
والقضية لا تتعلق فقط بإدارة المخاطر، بل أيضاً بالتنافس على الاستثمار. الشركات التي تبحث عن موقع إقليمي لمراكز البيانات أو الخدمات المالية أو العمليات الرقمية تنظر إلى استقرار الاتصال كما تنظر إلى الطاقة والضرائب والعمالة. والدولة التي تستطيع إثبات أن لديها مسارات متعددة، ومراكز بيانات موثوقة، واستضافة محلية، وخططاً مجربة لاستمرار الخدمات، تصبح أكثر جاذبية للأعمال التي لا تستطيع تحمل التوقف. وهكذا تتحول المرونة الرقمية إلى عنصر من عناصر التنافسية الاقتصادية.
لهذا تحتاج دول المنطقة إلى النظر إلى شبكات الاتصال باعتبارها جزءاً من البنية الاقتصادية التي يجب اختبارها تحت الضغط، لا الاكتفاء بقياس أدائها في الظروف الطبيعية. فوجود أكثر من مسار أو مزود لا يعني بالضرورة أن البدائل مستقلة جغرافياً أو تشغيلياً، وقد تكشف الأزمة أن قطاعات مختلفة تعتمد في النهاية على نقطة مشتركة واحدة. والجاهزية الحقيقية تبدأ بمعرفة هذه الاعتمادات مسبقاً، وتصنيف الخدمات بحسب أهميتها، وتحديد الحد الأدنى الذي يجب أن يبقى عاملاً عند تعطل أحد المسارات.
ولا تتطلب الجاهزية بالضرورة إنشاء مؤسسات جديدة أو إضافة طبقات من الإجراءات. الأهم هو وجود صورة مشتركة تجيب عن أسئلة بسيطة: ما الخدمات الحيوية؟ ما المسارات التي تعتمد عليها؟ أين توجد نقاط الضعف المشتركة؟ وما البديل الحقيقي لكل خدمة؟ ويمكن لاختبار عملي يحاكي تعطل مسار دولي رئيسي أن يكشف ما الذي سيستمر، وما الذي سيتأثر، وكم يستغرق الانتقال إلى البديل، وما الكلفة الاقتصادية إذا طال التعطل. مثل هذه الاختبارات توجه الموارد إلى النقاط التي يمثل توقفها الخسارة الأكبر.
في منطقة تتغير مخاطرها بسرعة، لم تعد الجاهزية الرقمية مسألة تقنية مؤجلة، بل جزءاً من قدرة أي اقتصاد على الاستمرار تحت الضغط. المطلوب ليس افتراض أسوأ السيناريوهات أو إثارة القلق، وإنما التأكد مسبقاً من أن البدائل تعمل فعلياً، وأن الخدمات الأساسية تستطيع الاستمرار إذا تعرض أحد المسارات الإقليمية للضغط أو التعطل. فالممرات الرقمية أصبحت اليوم شرايين للاقتصاد، والاستعداد لأي طارئ فيها لا يحمي الخدمات فقط، بل يحمي حركة الأعمال والاستثمار وثقة السوق في قدرة الاقتصاد على الاستمرار عندما تصبح الظروف أقل من طبيعية.

























































