اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ١٧ أذار ٢٠٢٦
في الوجدان العربي، لا يبدأ العيد بطلوع فجر الأول من شوال، بل يبدأ مع تلك الرعشة الأولى التي تسري في أوصال البيوت قبل أيام من رحيل رمضان. إنها مرحلة «التحضير والاستعداد»؛ حيث تنقلب السكينة الرمضانية إلى طاقةٍ حركية لا تهدأ، ويمتزج عبير البخور برائحة الطحين والماء ورد. في هذه الأيام، تتحول الأمهات إلى «قادة عمليات» لإعادة صياغة هندسة البيت، ويتحول الآباء إلى «سفراء» في الأسواق المكتظة، بينما ينام الأطفال وأعينهم على «الثياب الجديدة» المعلقة خلف الأبواب. إن التحضير للعيد هو «الاحتفال الاستباقي» الذي يثبت فيه العربي أن الفرح جزء من عبادته، وأن الجمال هو التحية التي يقدمها لانتصار صيام شهر كامل. تروي لنا هذه الحلقة قصة تلك «الاستعدادات» التي تجعل من انتظار العيد عيداً بحد ذاته.
•«تطهير المكان».. طقوس تنظيف البيوت وجلائها.
يبدأ التحضير للعيد في الوجدان الشعبي بـ «جلاء البيت». فالمؤمن الذي طهر قلبه بالصيام، يرى لزاماً عليه تطهير مسكنه لاستقبال زوار العيد.
يذكر المؤرخون والرحالة أن البيوت في دمشق والقاهرة وبيروت كانت تشهد ما يُسمى بـ «نفضة العيد». تُغسل السجاجيد، تُلمع النوافذ، وتُغير أغطية المقاعد (الشراشف). في دمشق تحديداً، كانت جدران البيوت تبيض بالكلس الجديد، وتُمسح أرضيات «الديار» (صحن البيت) حتى تلمع تحت أشعة الشمس.
هذا التنظيف الشامل يمثل رمزية «البداية الجديدة»؛ فالعيد هو ولادة ثانية للإنسان والمكان، والبيت النظيف هو المكان الذي يليق بحلول الفرح والبركة.
•«رائحة العيد».. طقوس تصنيع الكعك والمعمول
لا يوجد رمز مادي يعبر عن الاستعداد للعيد أقوى من «رائحة الخبز».
في العشر الأواخر، تتحول البيوت العربية إلى «مخابز جماعية». تجتمع الجارات والقريبات في جلسات ممتدة تُسمى «قعدة الكعك». يذكر الوجدان المصري «كعك العيد» المنقوش بالمناقش النحاسية، بينما يشتهر الوجدان الشامي بـ «المعمول» المحشو بالفستق والجوز والعجوة.
أجمل ما في تحضير الحلويات هو «تبادل الأطباق» قبل العيد؛ فالعائلات تتفاخر بصنع يدها وتتبادل العينات لتذوق طعم الفرح في بيوت الآخرين، مما يحول الحلويات من مجرد طعام إلى «رسائل مودة» صامتة بين الجيران.
•«كسوة العيد».. حلم الأطفال المعلق
في الوجدان العربي، «ثياب العيد» هي القضية المركزية للطفولة.
يصف الأدباء الشعبيون رحلة الأسواق في الليالي الأخيرة بأنها «زحام مبارك». ورغم التعب، يحرص الأب العربي على تأمين «الكسوة» لأبنائه مهما ضاقت الحال، معتبراً أن «كسر خاطر الطفل» في العيد هو إثمٌ اجتماعي.
من أجمل صور الاستعداد هو نوم الأطفال ليلة العيد وبجانبهم «الحذاء الجديد» و«الملابس الجديدة». هذه الصورة المتكررة في كل العواصم العربية تعكس كيف أن العيد هو «مكافأة البراءة» التي يمنحها رمضان للصغار.
•«زكاة الفطر».. طهارة المال قبل الفرح
لا يكتمل الاستعداد للعيد دون الجانب الإنساني العميق المتمثل في «زكاة الفطر» (الفطرة).
يحرص العرب على إخراج زكاتهم في الأيام الأخيرة لضمان أن يشتري الفقير احتياجات عيده. يذكر التاريخ العربي أن السلاطين والأغنياء كانوا يوزعون «الأعطيات» في هذه الأيام ليعم الفرح الجميع.
في الوجدان العربي، الصيام يظل «معلقاً بين الأرض والسماء» حتى تخرج الزكاة، مما يجعل من التحضير المادي (الشراء) مرتبطاً بالتحضير الأخلاقي (العطاء).
•«ليالي السوق».. سحر العواصم التي لا تنام
في الأيام الأخيرة، تفقد المدن العربية قدرتها على النوم.
الأسواق النابضة: سوق «الحميدية» في دمشق، «خان الخليلي» في القاهرة، «سوق المباركية» في الكويت، و«الشورجة» في بغداد؛ كلها تتحول إلى تجمعات بشرية هائلة.
يبرز هنا دور «الحلاقين» الذين يظلون يعملون حتى صلاة العيد، و«الخياطين» الذين يسابقون الزمن لإنهاء الأثواب.
يتفنن الباعة في جذب الزبائن بأهازيج تدمج بين الوداع والترحيب، مما يخلق أجواءً احتفالية تجعل من «التسوق» تجربة ثقافية وليس مجرد عملية شراء.
•»الحناء والزينة».. جماليات الوجدان النسائي
تستعد النساء للعيد بطقوس جمالية خاصة تعبر عن الابتهاج.
في دول الخليج والمغرب والسودان، تُعد «ليلة الحناء» ركناً أساسياً في الاستعداد. تُنقش أيدي الفتيات والنساء بأجمل النقوش النباتية، معتقدين أن ريح الحناء هو ريح الجنة وفال الخير للعام القادم.
تُبخر الملابس والبيوت بأجود أنواع العود، استعداداً لاستقبال المهنئين، فالرائحة الطيبة هي «بطاقة الدعوة» الأولى في العيد.
•«القلق الجميل» قبل العيد
لماذا نشعر بهذا التوتر الممتع في الأيام الأخيرة؟
هو قلق نابع من الانتقال من حالة «الزهد الصائم» إلى حالة «الاستمتاع المفطر»، وهو تحول يحتاج لتهيئة نفسية كبيرة.
الاستعداد المبالغ فيه أحياناً هو تعبير عن رغبة الإنسان العربي في إثبات أنه قد «أتم المهمة» بنجاح، وأنه يستحق هذا الاحتفال الكبير.
كلما بدأنا في التحضير، استدعى الوجدان (صور) الأجداد والآباء وهم يفعلون الشيء ذاته، مما يعزز الشعور بـ «الاستمرارية التاريخية».
•«ليلة الرؤية».. اللحظة الفاصلة
تتوج كل هذه الاستعدادات بـ «ليلة الرؤية»؛ اللحظة التي يُعلن فيها ثبوت هلال شوال.
هنا تتوقف كل «الورش المنزلية» لتبدأ «رسائل التهنئة». ينطلق التكبير من المآذن، ويشعر العربي فجأة أن تعب الثلاثين يوماً قد تبخر، ليفسح المجال لشعورٍ غامر بالخفة والسرور. هي اللحظة التي يدرك فيها الجميع أن «التحضير» كان هو المتعة الحقيقية، وأن العيد قد حل ضيفاً بعد طول انتظار.
إن «التحضير للعيد» في الوجدان العربي هو قصيدة حب للحياة والجمال. من «نفضة» البيت وجلائه، إلى «رائحة المعمول» وخبزه، ومن «كسوة الصغار» وفرحتهم، إلى «زكاة الفطر» وطهرها؛ يظل الاستعداد للعيد هو الجسر الذي نعبر فوقه من ضفة الصبر إلى ضفة الشكر. سيظل العربي، مهما تغيرت العصور، يجد في غسل السجاد وصنع الحلوى وشراء الثياب طقوساً مقدسة تربطه بجذوره وتؤكد هويته النابضة بالحياة. سيظل العيد جميلاً، لأننا حضّرنا له بكل ما نملك من حب وإخلاص، ولأننا نؤمن أن «من يعظم شعائر لله فإنها من تقوى القلوب».











































































