اخبار لبنان
موقع كل يوم -أي أم ليبانون
نشر بتاريخ: ٢٥ نيسان ٢٠٢٦
كتب رمال جوني في 'نداء الوطن':
عاد تجّار الخردة إلى الواجهة مع دخول الهدنة حيّز التنفيذ، وعاد صوت الباعة الجوالين: 'نحاس، تنك، حديد للبيع' ليخترق صمت القرى المدمّرة. إلا أن هذه العودة لم تكن بريئة، إذ بات هؤلاء، بحسب شكاوى الأهالي، يشكّلون خطرًا مباشرًا على ما تبقى من ممتلكات الناس، في ظلّ تفلّت أمني وضعف في تطبيق القرارات البلدية.
ومنذ انتهاء الحرب، لم تهدأ صرخات الأهالي من السرقات المتكرّرة. منازل أُفرغت بالكامل من محتوياتها، ومحال تجارية نُهبت، فيما يؤكّد السكان أن 'الحرامية معروفون بالأسماء لدى الأجهزة الأمنية، ومع ذلك لا أحد يوقفهم'.
ويستعيد الأهالي تجربة الحرب الماضية، حيث حقق ما يُعرف بـ 'حرامية الحرب' أرباحًا طائلة، وبدت عليهم مظاهر الثراء، من دون أن يُسجَّل توقيف جدّي لأي منهم. وبحسب الأهالي، فإن 'كثيرين منهم محميّون ولا يمكن المسّ بهم'.
وجع السرقة أقسى من القصف
تروي غدير حوماني ما تعرّض له منزلها في محلة مرج حاروف، قائلة: 'لم أعثر على شيء… كل ما يمكن سرقته سُرق. الحرامية كنسوا المنزل، حتى أغراضي الشخصية أخذوها'. وتضيف: 'تضرّر منزلي نتيجة غارة استهدفت محيطه، لكنني لم أشعر بالحزن كما شعرت بعد السرقة. هذا الوجع لن يمرّ مرور الكرام'. وتؤكّد حوماني أنها ستتقدّم بدعوى قضائية، على أمل أن يُحاسَب الفاعلون 'ويكونوا عبرة لغيرهم'.
سرقات تطول القرى والبلدات
هذا النوع من السرقات طال عشرات المنازل والمحال في قرى وبلدات منطقة النبطية. ويشير الأهالي إلى أن عناصر أمن الدولة، قبل استهدافهم، كانوا يعملون على حماية الممتلكات، وقد أوقفوا قبل يوم واحد من استهدافهم أحد اللصوص.
إلى جانب 'حرامية الحرب'، برزت موجة أخرى من السرقات عبر تجّار الخردة، الذين ينشطون بكثافة لافتة، حتى بات عددهم، وفق الأهالي، يفوق عدد العائدين إلى قراهم. هؤلاء يستغلّون غياب السكان وعدم استقرارهم، ويعمدون إلى سحب الحديد والتنك والبلاستيك من المنازل المدمّرة.
وخلال الحرب الماضية، نشط تجّار الخردة على خط قرى الحافة الأمامية، وحققوا أرباحًا خيالية، مدفوعين بارتفاع الأسعار، إذ يوازي طن الحديد نحو 500 دولار، فيما يصل طن التنك إلى نحو 700 دولار، ما دفع كثيرين من العاطلين عن العمل إلى الانخراط في هذه المهنة.
قرارات بلا تنفيذ
مع بدء الهدنة، كانت آليات تجّار الخردة من أوائل الداخلين إلى القرى، يبتلعون ما تبقى من مقتنيات البيوت لتحقيق الأرباح، ولو على حساب أرزاق الناس. عشرات الآليات تعبر يوميًا، ولا تترك منزلًا مدمّرًا أو محلًا متضرّرًا إلا وتنقض عليه.
أمام هذا الواقع، فرضت البلديات شرط الحصول على تصريح مسبق وموافقة خطية من صاحب العقار لسحب بقايا المنازل. إلا أن الأهالي يؤكّدون أن القرارات لا تُطبَّق بفعالية على الأرض، لترتفع الصرخة مجددًا: 'أوقفوا حرامية الخردة'.
يوسف، صاحب محل في النبطية، يختصر المشهد بالقول: 'سرقوا الأخضر واليابس، لم يتركوا حتى شوكة. من يعوّض علينا؟ تضرّر المحل، وعندما عدنا لسحب البضائع وجدناها منهوبة. هذا واقع… من يوقفه'؟
ويضيف: 'الحرامية معروفون بالاسم، ومع ذلك لم يُوقَف أحد. خلال الحرب استُهدف أكثر من حرامي أثناء قيامه بالسرقات، ومع ذلك لم يُنظَر إليهم كلصوص. متى يُطبَّق القانون، ولو بالحدّ الأدنى، لحماية ما تبقى من ممتلكاتنا؟'.
كفرتبنيت نموذجًا
في مقابل هذا المشهد، برزت كفرتبنيت كنموذج في ضبط الظاهرة. فقد وضعت البلدية آلية واضحة لتنظيم عمل تجّار الخردة والحدّ من تجاوزاتهم. ويقول رئيس بلدية كفرتبنيت، الدكتور محمد فقيه، إن البلدية، وبالشراكة مع اللجان الشبابية والأهالي، شكّلت فرقًا لمراقبة مداخل البلدة والحدّ من دخول تجّار الخردة'. ويضيف أن هذه الإجراءات تهدف إلى 'حماية أملاك الناس وأرزاقهم، ولا سيّما أن نسبة الدمار في البلدة مرتفعة'، مشيرًا إلى توجيه إنذارات لكل تاجر خالف الضوابط البلدية. وبحسب فقيه، نجحت البلدية في ضبط الظاهرة بنسبة تقارب 90 في المئة، 'بفضل جهود شباب البلدة الذين حموا كفرتبنيت'.
سؤال مفتوح
في وقت نجحت فيه كفرتبنيت في لجم ظاهرة تجّار الخردة، لا تزال بلديات أخرى تتخبّط في ضبطها والحدّ منها. فالتعاميم وحدها، كما يقول الأهالي، لا تكفي، بل تحتاج إلى آليات تطبيق فعلية على الأرض. ويبقى السؤال: هل تحذو باقي البلديات حذو كفرتبنيت، أم يُشرَّع الباب على مصراعيه أمام من يسرق ما تبقى من أرزاق الناس؟











































































