اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
كتب جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة
'مرتا مرتا، إنك تهتمّين بأمور كثيرة، إنما المطلوب واحد – لوقا 38/10-42'. هذه الآية إنجيلية، تنطبق على الدولة اللبنانية المنشغلة بنفسها، المنقسمة على بعضها، غير القادرة على ترتيب أولوياتها. فالأداء الحكومي يشوبه التناقض، ومجلس الوزراء بات ساحة للعراضات 'الشعبوية' بين أطرافه، وهات مَن يزايد على الآخر، وفي ظنّه أنّ الانتخابات النيابية وراء الأبواب. فما من موضوع يُبحَث إلّا ويستحيل مادة إشكالية، تستحضر كل أشكال الطائفية والمذهبية، ولو كان ذلك على حساب حضور الدولة وهيبتها.
ومن هنا، يمكن تفسير الإحباط الذي أصاب اللبنانيّين بسرعة غير متوقعة، جراء تحققهم من أنّ الوعود التي منّوا أنفسهم بها لم تكن إلّا سراباً، وكلاماً بكلام.
ويلاحظ المراقبون أنّ ثمة اتكالاً على الخارج لحل أزمات لبنان، من دون أن يكلّف أحد من المسؤولين نفسه عناء إطلاق حوار يساعد في خروج الفرقاء من وراء'متاريسهم'، ويحملهم على الجلوس إلى طاولة مهما كان شكلها للشروع في نقاش مفتوح، هادف إلى وضع خارطة طريق للمستقبل، لأنّه ليس في مستطاع أي طرف أن يحسم ضدّ أي طرف آخر، في بلد ذي تركيبة معقّدة طوائفياً واجتماعياً كلبنان. في نهاية المطاف، الجميع مدعو إلى بيت 'الطاعة' التوافقي الذي لا تقوم أساساته إلّا على تسوية تاريخية، غالباً ما كانت تتوّج المآلات النهائية للنزاعات الوطنية المرشحة لأن تتحوَّل إلى صدام أهلي، في المنعطفات المصيرية.
ويبدو أنّ الرغبة في إطلاق حوار وطني لا يستثني موضوع حصر السلاح بيد الجيش اللبناني، وحق الدولة المطلق في إعلان الحرب من عدمه، أو السير في خيار السلام، غير موجودة، لأنّ هناك مَن يدعو إلى 'الصبر المكلِف' الذي يصبّ في منطق الدولة ويمكّنها من جرّ كل اللاعبين في لبنان إلى ملعبها، حيث تفرض عليهم القبول بالصيغة التي تُعرض، ولو كان الجانب اللبناني فيها هو الحلقة الأضعف. كأنّ هناك مَن يدفع إلى التحدّي المباشر والخطاب العالي السقف.
يُضاف إلى ما تقدَّم، أنّ أياً من الوعود الاقتصادية والمالية والاجتماعية والإصلاحية لم تتحقق فقط، بل يبدو أنّها ليست على السكة. فما من مؤشر حتى الآن ينبئ أنّ قضية المودعين في المصارف ستُحَل، وفي كل يوم تطالعنا الأنباء بـ'حدوته' من 'مصرف لبنان' وجمعية المصارف' و'صندوق النقد الدولي': لا ودائع، والأفضل نسيانها وشطبها، الودائع مقدّسة وهي حق لأصحابها، الودائع حق لأصحابها لكنّنا نقوى على سداد مائة ألف دولار فقط، ولا يكاد المواطن ينام على 'حرير' هذا الوعد حتى يستفيق على لظى كلام حاكم مصرف لبنان، بأنّ المصرف لا يستطيع حتى سداد مبلغ ستين ألف دولار.
حقيقة بين 'حانا صندوق النقد ومانا المصارف طارت لحى' المودعين. أمّا الكهرباء، فتلك قصة لا بل 'رواية لبنانية'، في ختامها تتحقق الآمال على يد قطرية. ولا نعرف إذا كان الأمران رهن 'ضوء أخضر' دولياً، ولا إذا كان هذا الضوء لن يشع في نهاية النفق، إذا لم يقترن باتفاق يغني على ليلى شروط واشنطن. لأنّ من دونها حرب موغلة، موصولة لا أفق لها ولا قرار.
لا 'نطربق' الدنيا على رأس أحد، لكن هذا هو الواقع من دون قفازات وأقنعة، شاء مَن شاء، وأبى مَن أبى. حتى القانون بات وجهة نظر. هاكم ما حلّ بقانون العفو وكيف جرى تقاذفه، وكيف تعدّدت تفسيراته وقراءاته، وما حصل في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة بالنسبة إلى إحالة متفجّرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي لعدم امتلاك القدرة على قرار واحد، تاركين للوقت أمر المعالجة.
ويجمع المراقبون الموضوعيّون، أنّ لبنان راهناً هو في حالة 'لا حرب ولا سلم'، أي أنّه في المراوحة المملة. إنّه بلد إرهاق الدولة وإداراتها وملاكاتها، ولا يملك شجاعة التصدّي للمعضلة بعمق واصرار، بدليل الحل الذي استقرّ عليه ملف التفرُّغ في الجامعة اللبنانية.
مع الطائف ولا نطبّقه نصاً وروحاً، مع استثمار الثروة الغازية والنفطية ولسنا نعرف أين وصل التنقيب، وما حقيقة وضع: 'البلوكات'… والسؤال، إلى متى يستمر الوضع على هذا النحو، فيما يتأكّد لنا أنّ شباب لبنان الذين هاجروا تحت وطأة الحرب والأزمات المتتالية، وغياب الضمان الفعلي للاستثمارات، يحبّون وطنهم لكن لن يعودوا إليه إلّا لقضاء فصل الصيف وأيام العطل، ويخططون من اليوم لتقاعدهم فيه، ممّا يعني 'باي، باي طاقة إغترابية' في غياب الشفافية والبنى التحتية؟ وقبل أي شيء، جثوم الاحتلال بكل ثقله، فلا انزياح ولا تراجع، ولا أدنى ضمانة بأنّه سيكون موقتاً.
كل ما ورد حقائق لا تحتاج إلى 'محلل إستراتيجي' لتبيانه، ولا إلى استشراف، فالوقائع تحدِّث عن نفسها.
وحتى إشعار آخر، وفي إنتظار أن تحزم 'مرتا' أمرها، يبقى لبنان بلدا معلّقاً… لا ثابت فيه إلّا المتحوِّل.











































































