اخبار لبنان
موقع كل يوم -الصدارة نيوز
نشر بتاريخ: ٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦
ومن هنا، تستعيد الذاكرة اللبنانية كلاماً يُنسب إلى مؤسس حزب الكتائب اللبنانية الشيخ بيار الجميل، قيل إنه استحضر مشهد النهب والشغب في نيويورك للمقارنة مع ما كان يعيشه لبنان في بدايات الحرب. فهذه المقارنة، في معناها السياسي، تكتسب اليوم دلالة مختلفة. فإذا كانت ساعات من العتمة قد كشفت هشاشة النظام العام في مدينة أميركية كبرى، فماذا تكشف سنوات من الأزمات المتراكمة في بلد لم يعد العطل فيه استثناءً، بل باتت فيه الاستثناءات هي انتظام الدولة؟
المفارقة أن لبنان لا يعاني من غياب الكهرباء وحدها، ولا من انهيار مالي أو إداري فحسب. إنه يواجه أزمة أعمق تتصل بمفهوم الدولة نفسه. نبدأ من أسئلة عميقة عمن يملك قرار الحرب والسلم، ومن يفرض القانون على الجميع، ومن يحمي الحدود والأملاك والمواطنين، ومن يحاسب المسؤولين عندما تتكرر الإخفاقات؟ هذه ليست أسئلة نظرية، بل هي في صلب المواجهة السياسية التي يخوضها لبنان اليوم لاستعادة سيادته، وبسط سلطة مؤسساته الشرعية، وحصر السلاح بيد الدولة، وإثبات أن قرار الأمن الوطني لا يمكن أن يبقى موزعاً بين مرجعيات متناقضة.
ومن هنا، فإن الحديث عن هيبة الدولة لا ينفصل عن الجدل الدائر حول دور الجيش وقدرته على الانتشار وبسط سلطته، ولا عن الضغوط الخارجية المرتبطة بتنفيذ الالتزامات الأمنية، ولا عن الانقسام الداخلي الذي يحوّل كل خطوة نحو استعادة سلطة المؤسسات إلى مادة للمزايدة السياسية. فالدولة التي تطالب مواطنيها باحترام القانون لا تستطيع أن تقبل بوجود مناطق أو ملفات أو قوى خارج المساءلة؛ كما لا يمكنها أن تستعيد ثقة الناس إذا بقي القانون قوياً على الضعفاء، ومرناً أمام أصحاب النفوذ ومالكي السلاح.
لكنّ الخطر لا يقتصر على السلاح أو الأمن. فالفوضى اللبنانية لها وجه اقتصادي واجتماعي أيضاً، إذ نشاهد أن المواطن يواجه أعباء المعيشة وحده، والمؤسسات العامة تعجز عن تأمين الحد الأدنى من الخدمات، وشبابًا يبحثون عن مستقبل خارج البلاد، ومحاسبة تتأخر أو تغيب، فيما تتكرر الوعود بالإصلاح من دون نتائج تتناسب مع حجم الانهيار. وعندما يشعر المواطن بأن الدولة لا تحميه ولا تنصفه ولا تؤمّن له الحد الأدنى من الاستقرار، تتآكل الرابطة التي يفترض أن تجمعه بها، ويصبح الاستقرار معتمداً أكثر على المبادرات الفردية والتضامن الأهلي والتوازنات السياسية، لا على مؤسسات قادرة على فرض النظام بعدالة.
وهنا تحديداً تكمن خطورة تحويل قدرة اللبنانيين على الاحتمال إلى فضيلة سياسية دائمة. فالمجتمع الذي يتكافل في الأزمات يستحق التقدير، لكن هذا التكافل لا يعفي السلطة من مسؤولياتها، ولا يبرر استمرار الغياب المؤسسي. كما أن التعايش مع الفوضى لا يعني أن اللبنانيين اعتادوا عليها أو قبلوا بها؛ بل قد يعني أنهم استُنزفوا إلى حد باتوا فيه يواجهون كل أزمة على حدة، فيما تتأجل معالجة الأزمة الأساسية، أي قيام دولة واحدة، بقرار واحد، وقانون واحد، ومؤسسات لا تخضع للانتقائية.
من نيويورك عام 1977 إلى فرنسا اليوم، لا يجوز اختزال الشعوب بأعمال التخريب التي يرتكبها بعض أفرادها. لكن لبنان لا يحتاج إلى النظر إلى الخارج كي يدرك خطورة تراجع هيبة الدولة؛ تجربته الراهنة تكفي. فالمطلوب ليس إثبات أن المجتمع اللبناني أكثر تماسكاً من غيره، بل أن يصبح هذا التماسك أساساً لاستعادة الدولة، لا بديلاً منها.
المصدر: لبنان24











































































