اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٢٧ أذار ٢٠٢٦
في كل مرة يرتفع فيها منسوب التوتر بين إيران والغرب، أو تتسع دائرة الاشتباك في المنطقة، يعود مضيق هرمز إلى الواجهة بوصفه أحد أخطر مفاصل الصراع الاستراتيجي في الشرق الأوسط. فالممر البحري الضيق الذي يربط الخليج ببحر عُمان لم يعد مجرد معبر للطاقة، بل تحوّل منذ سنوات إلى ورقة ضغط إيرانية دائمة، تُستخدم سياسياً وعسكرياً كلما اقتربت المنطقة من حافة الانفجار.
هذا الواقع لم يعد تفصيلاً تقنياً في حسابات النفط، بل أصبح جزءاً من معادلة الردع والابتزاز الجيوسياسي. فإيران، التي تدرك حجم الاعتماد العالمي على هذا المضيق، لطالما تعاملت معه على أنه أداة نفوذ حساسة، يمكن عبرها التأثير على حركة التصدير، ورفع منسوب القلق في الأسواق، وخلق ضغط اقتصادي يتجاوز حدود المنطقة نفسها.
في مقابل هذا المشهد، تبدو الإمارات العربية المتحدة من الدول الخليجية التي لم تكتفِ بمراقبة هذا التهديد، بل تعاملت معه بوصفه خطراً بنيوياً طويل الأمد يجب التحوّط له قبل لحظة الانفجار. ومن هنا، لا يمكن النظر إلى خط أنابيب أبوظبي – الفجيرة على أنه مجرد مشروع لنقل النفط، بل كجزء من استراتيجية سيادية هدفها تقليص أثر هرمز على القرار النفطي الإماراتي.
فالإمارات، التي تدرك أن أي تصعيد واسع في الخليج يبدأ عادة من الممرات الحساسة، اختارت أن تبني لنفسها مساراً بديلاً يخفف من حجم الارتهان لهذا المضيق. ومن خلال نقل النفط من الحقول الداخلية في أبوظبي إلى ميناء الفجيرة المطل على بحر عُمان، بات بالإمكان تصدير جزء مهم من النفط الإماراتي من خارج أكثر النقاط البحرية هشاشة في المنطقة.
في المعنى الاستراتيجي، لا يتعلق الأمر فقط بأنبوب ينقل النفط من الداخل إلى الساحل، بل بخطوة واضحة تهدف إلى إعادة توزيع المخاطر الجيوسياسية. فبدلاً من بقاء كامل الصادرات تحت رحمة ممر واحد يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى ساحة تهديد أو اشتباك، جرى تأمين منفذ بديل يمنح الإمارات هامشاً أكبر من المناعة الاقتصادية والسيادية.
صحيح أن هذا الخط لا يلغي أهمية مضيق هرمز، ولا يسقط دوره المحوري في تجارة الطاقة العالمية، لكنه في المقابل يقلّص من قدرة أي تصعيد إيراني على التحول إلى خنق مباشر للصادرات الإماراتية. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن جزءاً كبيراً من فعالية التهديد الإيراني يقوم أساساً على القدرة على التحكم بمفصل العبور. وكلما تراجعت هذه القدرة، تراجع معها جزء من القيمة السياسية والعسكرية لهذا التهديد.
ومن هنا، يمكن فهم لماذا لم تعد الفجيرة مجرد ميناء نفطي مهم، بل تحوّلت إلى رئة استراتيجية للإمارات خارج هرمز. فهي ليست فقط نقطة شحن، بل جزء من منظومة تحصين اقتصادي أُعدّت لليوم الذي قد يصبح فيه المضيق ساحة اختبار فعلية. وهذا ما يفسر أيضاً لماذا يكتسب هذا الخط أهمية أكبر كلما ارتفع مستوى التوتر في الخليج أو زادت احتمالات المواجهة مع إيران.
في لحظة إقليمية تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع مصالح الطاقة العالمية، يبدو واضحاً أن المعركة لم تعد فقط على من يسيطر على هرمز، بل أيضاً على من يستطيع أن يخفف من سطوة هرمز على اقتصاده. وهنا تحديداً تبرز أهمية ما قامت به الإمارات.
فالرد الحقيقي على التهديدات لا يكون فقط عبر البيانات السياسية أو الحماية العسكرية، بل أيضاً عبر بناء بدائل عملية تقلل من مفعول الخطر نفسه. وهذا ما جعل خط أبوظبي – الفجيرة أكثر من مشروع نفطي، وحوّله إلى أداة استراتيجية في مواجهة جغرافيا التهديد.
إذا كان مضيق هرمز قد شكّل لسنوات ورقة ضغط أساسية في يد إيران، فإن الفجيرة تمثل اليوم نموذجاً واضحاً على كيف يمكن لدولة خليجية أن تخفف من وزن هذه الورقة قبل لحظة استخدامها.











































































