اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ١٢ أذار ٢٠٢٦
عندما طرح الرئيس جوزف عون رؤيته القائمة على حصر السلاح بيد الدولة وفتح باب المحادثات المباشرة مع إسرائيل، بدا واضحاً أن الطرح يتجاوز إطار السياسة اللبنانية اليومية، ليلامس التحولات الكبرى التي تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. ومع ذلك، يثير الاستغراب أن القوى والأحزاب المسيحية، التي طالما رفعت شعار الدولة القوية وسيادتها، لم تبادر حتى الآن إلى موقف سياسي واضح يواكب هذه المبادرة أو يدعمها على الأقل من زاوية مبدئية.
فالمسألة لا تتعلق فقط بتفصيل سياسي أو بموقف عابر في سياق التجاذبات الداخلية، بل ترتبط بطرح استراتيجي يتصل بمستقبل لبنان وموقعه في المنطقة. ذلك أن حصر السلاح بيد الدولة كان على مدى عقود أحد أبرز العناوين السياسية التي رفعتها القوى المسيحية، باعتباره المدخل الطبيعي لبناء دولة قوية قادرة على حماية مؤسساتها وحدودها وإعادة الاعتبار للدستور. ومن هذا المنطلق، فإن تبنّي رئيس الجمهورية لهذا المبدأ يفترض أن يشكّل مساحة تقاطع بين الرئاسة وهذه القوى، لا مساحة تردد أو صمت.أما في ما يتعلّق بطرح فتح قنوات تفاوض مباشرة مع إسرائيل، فإن النقاش هنا يتجاوز البعد التقليدي للصراع، ليدخل في إطار التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة. فالشرق الأوسط يعيش مرحلة إعادة تشكيل عميقة، من شرق المتوسط إلى الخليج، حيث تُعاد صياغة التحالفات الاقتصادية والأمنية وتُرسم خرائط نفوذ جديدة. وفي مثل هذه اللحظات المفصلية، يصبح السؤال الأساسي: أين موقع لبنان في هذه التحولات، وكيف يمكنه حماية مصالحه واستقراره؟غير أن أهمية طرح الرئيس لا تكمن فقط في مضمونه السياسي، بل أيضاً في البعد الدستوري والوطني الذي يحمله موقع رئاسة الجمهورية. فالرئيس، بحكم موقعه، يتحدث باسم الدولة اللبنانية كلها، ويسعى إلى صياغة موقف وطني جامع يتجاوز الانقسامات الطائفية والحزبية. لكن هذا الدور الوطني الجامع لا يلغي حقيقة أساسية في النظام اللبناني، وهي أن رئاسة الجمهورية تمثّل أيضاً الموقع الدستوري الأول للمسيحيين في الدولة.
ففي تركيبة النظام اللبناني، يشكّل موقع الرئاسة أكثر من مجرد منصب سياسي؛ إنه رمز للشراكة الوطنية وضمانة للتوازن الذي قامت عليه الدولة اللبنانية. ومن هنا، فإن أي مبادرة يطرحها الرئيس لا يمكن فصلها عن هذا البعد التمثيلي، لأن قوة موقع الرئاسة تنعكس مباشرة على موقع المسيحيين في المعادلة السياسية اللبنانية.ولهذا السبب تحديداً، يصبح من الطبيعي أن يلتف المسيحيون، بمختلف اتجاهاتهم السياسية، حول موقع الرئاسة عندما يطرح رئيس الجمهورية رؤية تتصل بمستقبل الدولة. فالدعم هنا لا يعني بالضرورة الاتفاق الكامل على كل التفاصيل أو الآليات، بل يعني أولاً تعزيز موقع الرئاسة كمرجعية سياسية ودستورية قادرة على التفاوض باسم لبنان كله.فالمنطقة اليوم مقبلة على تحولات كبيرة، سواء في ملفات الطاقة في شرق المتوسط أو في ترتيبات الأمن الإقليمي أو في إعادة صياغة العلاقات بين الدول. وفي خضم هذه التحولات، قد تجد دول صغيرة مثل لبنان نفسها أمام معادلات جديدة تُفرض بحكم الجغرافيا والسياسة. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح وجود رئاسة قوية قادرة على التحدث باسم الدولة اللبنانية مسألة أساسية في حماية موقع لبنان ودوره.ومن هنا، يبرز البعد المسيحي في مبادرة الرئيس بصورة أوضح. فالمسيحيون في لبنان لم يكونوا يوماً مجرد مكوّن عددي في التركيبة الداخلية، بل كانوا تاريخياً أحد الأعمدة المؤسسة لفكرة الدولة اللبنانية الحديثة. وبالتالي، فإن أي إعادة صياغة لموقع لبنان في المنطقة لا يمكن أن تتم من دون شراكة فعلية معهم ومن دون دور فاعل للموقع الذي يمثلهم في النظام، أي رئاسة الجمهورية.إن الالتفاف حول موقع الرئاسة في هذه المرحلة لا ينبغي أن يُفهم كاصطفاف حزبي أو سياسي، بل كخيار استراتيجي لحماية التوازن الوطني. فكلما كان موقع الرئاسة قوياً، كان حضور المسيحيين في المعادلة اللبنانية والإقليمية أكثر ثباتاً وتأثيراً. أما إضعاف هذا الموقع أو تركه وحيداً في مواجهة الملفات الكبرى، فقد ينعكس سلباً على الدور الذي لعبه المسيحيون تاريخياً في صياغة هوية لبنان السياسية.
لكن ما يفرض نفسه اليوم أيضاً هو عدم تفويت الفرصة مرة جديدة. فالتاريخ اللبناني مليء بمحطات إقليمية مفصلية مرّت من دون أن يتمكن المسيحيون من استثمارها لاستعادة دورهم السياسي أو تعزيز موقعهم في المعادلة الإقليمية. واليوم، تبدو المنطقة أمام لحظة مشابهة، بل ربما أكثر حساسية، حيث يجري إعادة رسم الخرائط الجيوسياسية وموازين النفوذ في الشرق الأوسط.وفي مثل هذه اللحظة، لا يبدو أن هناك موقعاً مسيحياً قادراً على التأثير أو الحضور على مستوى القرار الإقليمي بقدر موقع رئاسة الجمهورية اللبنانية. فهذا الموقع، بما يحمله من شرعية دستورية وتمثيل وطني، يبقى المنصة السياسية الوحيدة القادرة على نقل الصوت المسيحي اللبناني إلى طاولة النقاشات الكبرى التي تتشكل حول مستقبل المنطقة.من هنا، يصبح المطلوب اليوم التفافاً مسيحياً حول موقع الرئاسة، ليس دفاعاً عن شخص الرئيس بقدر ما هو دفاع عن الموقع نفسه ودوره في المعادلة الوطنية والإقليمية. فالمعركة الحقيقية ليست معركة مواقف إعلامية أو سجالات سياسية، بل معركة تثبيت حضور فعلي على الطاولة التي ستناقش مستقبل الشرق الأوسط.فالمرحلة الحالية ليست مرحلة إدارة خلافات داخلية فحسب، بل مرحلة تتشكل فيها معادلات جديدة في الشرق الأوسط. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، يصبح السؤال المطروح على القوى المسيحية قبل غيرها: هل تكتفي بدور المتفرج على التحولات، أم تبادر إلى تعزيز موقع الرئاسة باعتباره الضمانة الدستورية والسياسية لوجودها ودورها في أي معادلة إقليمية مقبلة؟
إن دعم موقع الرئاسة اليوم لا يتعلق فقط بشخص الرئيس، بل بموقع لبنان نفسه وبحضور المسيحيين في النظام الإقليمي الجديد الذي يتشكل. وفي هذا السياق، قد يكون الالتفاف حول رئاسة الجمهورية أحد الشروط الأساسية لحجز موقع فاعل وقادر للمسيحيين على الطاولة الإقليمية، بدلاً من أن يجدوا أنفسهم مرة أخرى خارج لحظة صناعة القرار.











































































