اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٩ كانون الثاني ٢٠٢٦
د. سوسن العتيبي
إن أعظم أنواع التحرر أن يتحرر الإنسان من نفسه، فلا تحكمه، ولا تملكه، ولا توجهه؛ فهو حرّ من نفسه والأغيار، والتملك، والشهوات، والنزعات، وعلاقته بما مضى علاقة بُلغة 'ولا تنس نصيبك من الدنيا'. وهذا التحرر لا يعني المباعدة والمناقضة والمعاداة، وإنما ألا تملكه نفسه بل يملكها. وفي عالم السوق والمال، في زمننا خاصّة، تظهر المعاني الإيمانية والخُلقية ظهوراً أقلّ من المطلوب؛ لعبوديّة النفس لمطامعها، وسياق العصر المعزز لذلك بقوانين وأعراف السوق، ووعوده وآماله، التي سرت بين الناس، حتى تلبّس بسلوك وأخلاق غايته الماديّة. وقد ذكرنا فلسفة العطّاس لدلالة 'الدْيِن' في الإسلام، من خلال جهاز مفاهيميّاقتصادي، مبني على علاقة الدائنية، بعلاقة الإنسان بربّه: دائن، مدين، ديّان، قرض، جزاء، ثواب، اشترى من المؤمنين..؛ ناظراً له نظرة إيجابية ترفعه للسمو الروحي دون أن تلغيه. في حين نظر لهذا الجهاز أحد المستشرقين نظرة سلبية، ظاناً أنّ استخدامه قدح في العلاقة الدينية السامية! ولعل مردّه للفصل الحاد بين المادة والروح، مع تدنيس الأولى وتزكية الثانية، لمعاييرثقافة ألصق بالإرث الإغريقي ثم رومنة المسيحية في ضوئه. غير أنّ الجهاز المفاهيمي الاقتصادي ليس دنساً ولا ضدّه، بل هو مسالك يعيشها الإنسان، يسمّي الأشياء والأفعال وفق خبرته معها، مكوّناً جهازاً مفاهيميّاً ينظّم حركة سيره، ومعنى قوله؛ فقد يُربطبالأدنى فيدنو، ويُربط بالأعلى فيلعو، فالقرض مع الله لا كالقرض الربوي، ولو اتحد الاسم؛ إلا أنّ المسمّى مختلف كيفاً وتعلقاً وتبعية.
فالنهوض إلى الأعلى يتطلّب الحفاظ على الهيكل الأدنى، وإصلاح العلاقات الإنسانية وفق النموذج الاقتصادي، لا بنبذها وذمّها، بل بحفظ هيكلها، ثم النفاذ من خلاله للارتفاع به للعلاقة الأسمى. ومن الأمثلة على ذلك دلالة 'الغش والنصح' في الميدان التجاري، فمن المفاهيم الأقرب لمرادفة 'حماية المستهلك' في زمننا، مفهوم 'النصيحة'، فالنصيحة ليست حماية المستهلك من الجشعين لغشهم، بل حماية للإنسان من نفسه أولاً، في موضع ربح آني له وغبن للجاهل بقيمة ما لديه، فالنصيحة ضد الغشّ والفساد، لكن النصيحة الأكبر نصيحة النفس لربح نفسها وربح علاقتها بربّها وإنسانيتها، ولو خسر بعض ماله، فهو خُسران عرض لا أصل، والعكس بالعكس. وقد ظهرهذا المثال جليّاً في مبايعة الصحابي الجليل جرير البجليّ -رضي الله عنه- الذي ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم إلا تبسّم له، ولا كلّمه إلا تكلّم، وقد بايعه على بنود منها: مبايعته على 'النصيحة'، بعد أن باع نفسه لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. وقد عمل بها في مشهد عظيم، هو فيه رابح؛ كما روى أبو القاسم الطبرانيّ: 'أنّ جريرا أمر مولاه أن يشترى له فرسا، فاشترى بثلاث مئة درهم، وجاء به وبصاحبه لينقده الثمن، فقال جرير لصاحب الفرس: فرسك خير من ثلاث مئة درهم! أتبيعه بأربع مئة درهم؟ قال: ذلك إليك يا أبا عبدالله، فقال: فرسك خير من ذلك، أتبيعه بخمس مئة درهم؟ ثم لم يزل يزيده مئة فمئة، وصاحبه يرضى، وجرير يقول: فرسك خير، إلى أن بلغ ثماني مئة درهم فاشتراه بها. فقيل له في ذلك، فقال: إني بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم النصح لكل مسلم'.
فحقيقة البيعة أنها بيع أوّلي يشمل ما يليها، ويجب الوفاء بها، وأن تحكم تصرفات المسلم حتى يلقى ربّه في يوم 'الدين'، وهذا الجهاز المفاهيمي الدينيّ يزكّيالجهاز المفاهيمي الماليّ، لربط البيع أولاً ببيعة المسلمالعظمى مع ربّه، ثم تغلغل هذه المعاني في الأسواق لترقيتها، ومن ثم تزكيتها لأخلاق الناس، حتى لا يكون الإنسان رخيصاً يبيع نفسه وعلاقته بربّه بعرض من الدنيا قد يخرم بيعته الأكبر. ففي هذا الحديث عظمة استشعار معنى 'النصيحة'، والمبايعة عليها، وأنها حماية للإنسان من الخُسران الأكبر، عندما تغشّه نفسه بربح مادي فيه غبن لغيره. فالنظام الاقتصادي وجهازه المفاهيميّ لا يُنبذ، بل يزكّى بإعادة مفهمة وتقويم، وردّ كل البيوع للبيعة الأولى، وحماية المستهلك بالنصيحة.وهذا ما تقوم به وزارة التجارة مشكورة، ناصحة للمسلمين وغيرهم كافّة، لينعكس هذا النصح على إصلاح الذات قبل الآخرين، وتكاثر خيرات المجتمع وإصلاحه.. والحمد لله ربّ العالمين.










































