اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ١٧ أذار ٢٠٢٦
ثمّة معلمون يمرّون في حياتنا مثل حصصٍ دراسية عابرة، يعلّموننا قواعد اللغة ثم يمضون. لكن هناك قلّة نادرة من المعلمين لا يعلّمون اللغة فقط، بل يفتحون بابها السريّ؛ يجعلون الكلمات كائنات حيّة، ويحوّلون القصيدة إلى مرآة للنفس. من هؤلاء كان أستاذي الشاعر دكتور خريستو نجم، الرجل الهادئ الذي عرفته في أيام الثانوية، والذي لم يكن يعلّمنا الشعر فحسب، بل كان يعيش داخله كأنّه قدره الوحيد.
اليوم، بعد رحيله، تبدو الذكريات كأنها تتقدّم من الماضي ببطء، محمّلة بصوته ونبرته الرقيقة وابتسامته الخجولة. لم يكن شاعراً صاخباً، ولا صاحب حضور ضاجّ في المجالس الأدبية؛ بل كان من ذلك الطراز النادر من الشعراء الذين يحملون حساسية مفرطة تجاه العالم. كان يكتب كما لو أنّه يعتذر من الحياة، وكأنّ القصيدة بالنسبة إليه طريقةٌ للنجاة من ثقل الشعور.
لقد عرفته قبل أن أعرف الشعر نفسه. في قاعة المدرسة، كان يقف أمامنا كأنه يحدّث نفسه أكثر مما يحدّثنا. يقرأ بيتاً من الشعر ثم يسكت قليلاً، كأن الكلمات تحتاج إلى صمتٍ كي تستقرّ في القلب. وفي تلك اللحظات كنت أشعر أن القصيدة ليست نصاً على الورق، بل حالة إنسانية عميقة. وربما لهذا السبب بقي أثره في حياتي طويلاً؛ لأنه لم يعلّمنا الشعر بوصفه فناً فقط، بل بوصفه طريقة لرؤية العالم.
ولم يكتفِ بذلك، بل كان أيضاً من أوائل الذين رافقوني في بداياتي. حين نشرت كتابي الأول ثم الثاني، كان حاضراً في تلك التجربة كالأخ الأكبر أو الأب الروحي للكلمة. لم يكن يتدخل كثيراً، لكنه كان يملك تلك القدرة النادرة على التشجيع الصامت. كان يقول أحياناً جملة قصيرة، لكنها كانت كافية لأن تمنحني الثقة في الطريق. هكذا كان هذا الشاعر: قليل الكلام، كثير الإحساس صاحب القلب المحب، والنبيل كيف لا وهو الضليع جدا في التحليل النفسي الشاعر الذي استطاع خلق الجمال في محيطه كله.
عندما بلغني خبر موته تذكرت قصيدة من بين قصائده الكثيرة وهي قصيدة «خلجات يأس» واحدة من أكثر القصائد التي تكشف عن أعماقه النفسية. فهي ليست مجرد قصيدة عن الحزن، بل عن روح شديدة الرهافة تعبت من العالم. يكفي أن نقرأ مطلعها لنفهم حجم ذلك الإحساس:
«رباهُ إنّي في حياتي زاهدُ/ لا مُبتغى فيها ولا لي مقصد» هذا البيت لا يعبّر عن يأس عابر، بل عن نوع من الزهد الوجداني في الحياة. كأن الشاعر، بعد تجارب طويلة من الخيبة، صار يشعر أن العالم لم يعد قادراً على منحه ما كان ينتظره. لكنه رغم ذلك لا يتحدث بمرارة، بل بصوت هادئ يشبه الاعتراف. ثم يتصاعد الألم في قوله: «هلاّ أرحني من شقائي بالردي/فالموت خيرٌ من بقائي أُشرَّدُ»
وهنا نلمس تلك الحساسية المفرطة التي كانت تميّزه. فالشاعر لم يكن من النوع الذي يقاوم العالم بصخب؛ بل كان يتألم بصمت. ولذلك فإن فكرة «التشرد» في البيت ليست تشرداً مادياً، بل تشرداً داخلياً: شعور الإنسان بأنه غريب حتى بين الأشياء التي يحبها.لكن القصيدة لا تبقى في هذا الظلام طويلاً، إذ يفتح الشاعر نافذة على حلم قديم حين يقول: «أحببتُ دنيا الحبّ في حلمٍ مضى/ لا شيء فيها غيرُ عطفٍ يُورِدُ» في هذا البيت نرى الجانب الآخر من شخصيته: الشاعر الحالم. فقد كان يؤمن بعالم بسيط قائم على العطف والصدق. لم يكن يبحث عن مجدٍ شعري أو شهرة أدبية، بل كان يبحث عن دفء إنساني صادق. وربما لهذا السبب كان شعره صادقاً إلى هذا الحد، لأنه يخرج من تجربة حقيقية لا من صناعة لغوية. ومن يقرأ القصيدة كاملة يكتشف أنها تحمل في داخلها قصة حبّ واحدة ظلّت تلازمه طوال حياته. تلك القصة التي اختصرها اسم واحد: ندى.
لقد أحبّ ندى حباً خالصاً، حباً يكاد يكون وفاءً أبدياً. لم يكن من أولئك الذين تتبدل عواطفهم بسهولة؛ بل كان ينتمي إلى جيل يرى الحب تجربة وجودية كاملة. ولذلك ظل اسمها يمرّ في قصائده مثل ظلٍّ خفيف، أو مثل ذكرى لا يريد أن يغادرها. في مقطع آخر من القصيدة يقول: «آمنتُ بالعهدِ الجديدِ المُعتلي/عيشاً هنيئاً في حياةٍ تُرغَدُ» هذا البيت يكشف عن لحظة الأمل التي عاشها الشاعر في زمن ما. لقد آمن أن الحب قادر على أن يمنح الحياة معنى جديداً. لكنه بعد ذلك يكتشف أن الأحلام لا تتحقق دائماً كما نريد، فيطلق صرخته المؤلمة: «واحسرتي! قد خابتِ الآمالُ ذي/ خابتْ، كأنّي جمرةٌ لا تُوقَد».
إن تشبيه النفس بـ»جمرة لا توقد»من أجمل الصور في القصيدة. فهو يعبّر عن إنسان يحمل في داخله نار الشعور، لكن هذه النار لا تجد ما يضيئها. إنها نار الألم الصامت، نار القلب الذي يحب بصدق لكن الحياة لا تمنحه ما يكفي من الضوء. وهكذا تكشف القصيدة عن نفسية شاعر شديد الرهافة؛ شاعر يرى العالم بعين القلب لا بعين العقل. وربما لهذا السبب كان شعره قريباً من الحزن دائماً. فالحساسية المفرطة تجعل صاحبها أكثر عرضة لخيبات الحياة.
اليوم، بعد رحيله، يبدو لي أن تلك القصيدة لم تكن مجرد نص أدبي، بل كانت مرآة حقيقية لروحه. لقد عاش حياته كما كتبها: بسيطاً، صادقاً، وفياً لعاطفة واحدة، وللشعر الذي كان ملجأه الوحيد. ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عنه أنه كان شاعراً قبل أن يكون معلماً. لكنه كان أيضاً معلماً من ذلك النوع الذي يترك أثراً عميقاً في حياة طلابه. فالكثيرون ينسون أسماء معلميهم مع مرور السنوات، أما هو فقد بقي في الذاكرة لأنه لم يعلّمنا درساً مدرسياً فقط، بل علّمنا حساسية الكلمة. لقد كان يعتقد أن الشعر ليس زخرفة لغوية، بل تجربة إنسانية صادقة. وربما لهذا السبب بقيت قصائده حية في ذاكرة من عرفوه؛ لأنها تنبع من قلب حقيقي لا من صناعة باردة.
رحل اليوم، لكن القصيدة تبقى. تبقى تلك النبرة الهادئة التي كانت تتسلل إلى القلب دون ضجيج. وتبقى صورته في ذاكرتي، معلم يقف أمام طلابه، يقرأ بيتاً من الشعر، ثم يبتسم قليلاً كأنه يعرف أن الكلمات ستعيش أطول منا جميعاً. سلامٌ لروحه الحساسة، وسلامٌ لذلك القلب الذي أحبّ ندى وحدها، ولم يخن الشعر يوماً.











































































