اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦
نظرًا للمكانة المركزية للولايات المتحدة في شبكة العلاقات الدولية، فإن أي تغير في المركز لا بد أن يترك ظلاله على الأطراف، ولعل التراخي الشديد في قبضة الرئيس الأمريكي ترامب على توظيف السلطة التشريعية في تمرير سياساته نتيجة خسارته للأغلبية في فرعي السلطة التشريعية، فإننا –على الأرجح– سنشهد مماحكات بين قوى ديمقراطية داخل الكونجرس، وبين الاستنجاد الترامبي بامتيازاته القانونية، بخاصة حق النقض (أو الفيتو)، ليتسلح بما أطلقت عليه بعض الصحافة الأمريكية مصطلح 'Vetocracy'، لتعطيل ما يعترضه من قرارات يصدرها أي من المجلسين (الشيوخ والنواب)، أو ما يسمى الأوامر التنفيذية، أي تسيير الأمور إلى حين فك العقدة القانونية أو الإدارية.
وفي تقديري، أن الارتباك في 'سيولة' القرار الأمريكي على الصعيد الداخلي أو الدولي سيكون هو المرجح، لا سيما أن الفيتو الذي يتسلح به الرئيس لا يمكن تجاوزه –بخاصة في الموضوعات الاستراتيجية– إلا بموافقة الثلثين في كل من المجلسين، وهو أمر يبدو متعذرًا، وإن لم يكن مستحيلًا (ضمن ظروف استثنائية معينة).
ومن هنا، قد يُفرط ترامب في انتهاج هذا السبيل، مما قد يخلق ردات فعل في بيروقراطية الدولة وفي الشارع على حد سواء. ومن الواضح أن ترامب يتسلح بموضوع سلاح 'الفيتو' من باب الردع وإرباك المشروعات الديمقراطية، بخاصة أنه يدرك أن الكونجرس بأغلبية ديمقراطية في فرعيه لا يفتقر إلى المخارج القانونية للرد عليه وتعطيل قراراته، باحتمال نبش ملفات تحقيق قديمة وجديدة قد تصل إلى طرح عزله، ناهيك عن تعطيل المجلسين التمويل لبعض الجوانب والاعتراض على تعيينات في مناصب معينة... إلخ. وقد يتعرض البعض من فريق ترامب الحاكم لمساءلات، وربما يكون وزير الدفاع هيغسيث أول الواقفين في قفص الاتهام.
في ظل هذا 'الفتق' في بنية هيئة صنع القرار الأمريكي، فإن البيئة الدولية ستنقسم إلى فسطاطين بلغة ابن لادن: متضرر من الفتق ومستفيد منه، وبينهما 'أمم وسطى'، على النحو التالي:
1- المتضررون من النتائج:
أ- روسيا: من المؤكد أن الديمقراطيين –في معظمهم– سيعملون على رأب الصدع في العلاقات الأطلسية، والتي ساهم ترامب في شقها، وبتوافق مع روسيا، وبقدر كبير من المراوغات التي كانت تنتهي لصالح روسيا ولغير صالح أوكرانيا ولا أوروبا.
ولعل مراقبة نتائج سياسات ترامب في الموضوع الأوكراني من الزوايا العسكرية والاقتصادية والسياسية كانت هي الأكثر قربًا وتناغمًا مع الموقف الروسي، وكل ما كان يبدو 'شائبًا' في هذه العلاقة هو من باب المراوغة المصنوعة، وخلفها رجل روسي –بوتين– تكاد أن تكون خبراته الاستخبارية هي مؤهله الرئيسي.
وعليه، سنرى مماحكات ترامبية مع الكونجرس الأمريكي في مجال العلاقة مع الجناح الأوروبي في التحالف الأطلسي، ذلك يعني أن الديمقراطيين سيعملون على إعادة تنشيط دعم أوكرانيا ومساندتها في التفاوض وزيادة التنسيق مع أوروبا في هذا الشأن، وهو ما سيضع ترامب في موقف ارتباك شديد، بينما ستعمل أوروبا على استغلال الفرصة 'الديمقراطية' لزيادة الضغط على روسيا وتعزيز الموقف الأوكراني، وإن يكن ذلك ليس متفقًا عليه في العديد من الدول الأوروبية.
ب- إسرائيل: يمكن عدّ الشأن الإسرائيلي في بنية السياسة الأمريكية أقرب إلى الشأن الداخلي نظرًا للتماهي الاجتماعي والديني والسياسي والإستراتيجي، بل والاتجاه الأعظم في تاريخ العلاقات بين الطرفين منذ إقامة إسرائيل على أرض فلسطين.
لكن التحول الذي جرى في بنية الكونجرس الأمريكي كان لأسباب عديدة، لكن أغلبها له علاقة بإسرائيل أو هو من التداعيات لتلك العلاقة، فالدعم الأمريكي المالي والتسليح والمساندة في المنظمات الدولية والدفاع الإعلامي والتشارك في مواقف دولية ضد روسيا أو الصين أو قوى التحرر العربي، جعلت الحدود بين خصوصيات كل من الطرفين الأمريكي والإسرائيلي متماهية بقدر كبير.
لكن موضوع انعكاس التغيير على العلاقة الأمريكية الإسرائيلية لا يجوز أن ينتقل في العقل العربي إلى 'التفكير الرغائبي' والتوهم بأن تغيرًا 'جذريًا' على الأبواب، لكن ذلك لا ينفي أن مقدمات التغير تُطل برأسها، وستحتاج لمقومات عديدة لتبدو شاخصة في المشهد، لكن الفترة القريبة (بقية فترة ترامب حتى مطلع 2028) توحي بـ:
أ- سيستمر ترامب والدولة الأمريكية في اتجاهها التاريخي بدعم 'استراتيجية ضمان أمن إسرائيل'، لكن ذلك لن يكون 'بمستوى الكرم المعهود في الموقف الأمريكي تجاه إسرائيل' خلال الفترة القصيرة القادمة.
ب- احتمال ظهور بوادر خلافات إسرائيلية مع الكونجرس، بخاصة في بعض السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية وغزة، وتحديدًا موضوع الاستيطان أو التهجير. ولعل إعلان منظمة J.Street بفوز أغلب مرشحيها مؤشر على ذلك، فهذه المنظمة التي تأسست عام 2008 تتخذ موقفًا واضحًا يقوم على مساندة حل الدولتين ومعارضة التوسع الاستيطاني، كما أنها تؤيد استمرار الالتزام الأمريكي بالأمن الإسرائيلي، وهي مواقف قريبة من مؤسسة أخرى هي 'Americans for Peace Now'، وهو ما يشير للتضييق نسبيًا على اللوبي اليهودي، بخاصة الآيباك.
ت- احتمال تراجع القدرة الإسرائيلية على توظيف السياسة الأمريكية للمزيد من الضغط على إيران، بخاصة من جانب العمليات العسكرية.
ث- تدل متابعة موقف الكونجرس الأمريكي الجديد على أن '80% من الديمقراطيين الفائزين يؤيدون قيام دولة فلسطينية نظريًا'، لكن نسبة من يؤيد منهم اتخاذ مواقف ضاغطة وعملية على إسرائيل لإنجاز ذلك تتراجع إلى أقل من 50%، لكن ذلك يسجل فارقًا واضحًا عن توجهات الجمهوريين الذين يؤيد 25-30% منهم إقامة دولة فلسطينية، لكن 10% منهم يؤيد الضغط على إسرائيل لتنفيذ ذلك. فإذا جمعنا المؤيدين من الحزبين لإقامة الدولة الفلسطينية، تتضح معالم القلق الإسرائيلي، ولكن إذا حسبنا نسبة الذين يعتقدون أن الولايات المتحدة –خاصة في فترة ترامب– ستمارس ضغطًا فعليًا لمطالبة إسرائيل 'ببعض المرونة' تجاه المطالب الفلسطينية، فهي في حدود 55-60% من المجموع، وهو ما لا يلغي القلق الإسرائيلي، لكنه سيحث القيادة الإسرائيلية على مزيد من الجهد لتقليص النسبة إلى ما دون ذلك.
ج- يمكن تقسيم معدلات التأييد لإسرائيل داخل الحزبين بعد الانتخابات الأخيرة، طبقًا لبعض التقييمات الأولية، على النحو التالي:
أولًا: الحزب الديمقراطي:
- معارض بشدة لسياسات إسرائيل: 20%.
- معارض نسبيًا: 30%.
- معارض في قضايا محدودة وقليلة: 30%.
- مؤيد دون أي تحفظ لإسرائيل: 20%.
ثانيًا: الحزب الجمهوري:
- معارض بشدة لسياسات إسرائيل: 1%.
- معارض نسبيًا: 4%.
- معارض في موضوعات غير استراتيجية ومحدودة: 15%.
- مؤيد تمامًا لإسرائيل: 80%.
ومن الواضح أن المراهنة المتفائلة للموقف الأمريكي من إسرائيل في المدى القصير هي مراهنة لا تدعمها المؤشرات الميدانية، ولكن كيف ستكون السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل خلال الفترة القليلة القادمة؟
أ- ازدياد نسبي جدًا للرقابة على المساعدات العسكرية وصفقات السلاح لإسرائيل (وربما لا تتجاوز المناقشات فقط).
ب- تراجع الحماية السياسية لإسرائيل في 'بعض' النشاطات الدولية.
ت- استمرار الالتزام باستراتيجية أمن إسرائيل.
ث- تراجع الالتزام الأمريكي مع إسرائيل بالضغط على إيران عسكريًا.
إيران:
من الواضح أن إيران تحاول تفسير هزيمة ترامب الكبرى على أن نصيبًا كبيرًا من هذه الهزيمة يعود لموقفها ضده، فهي تحدته، وأغلقت مضيق هرمز رغم أكاذيب ترامب عن سيطرته على المضيق، ولم يتمكن من إسقاط النظام الإيراني، بل ازداد رسوخًا. كما أن أسعار الطاقة واستطراقها لقطاعات اقتصادية أخرى جعلت جيه دي فانس، نائب ترامب، يقر بدور الحرب على إيران في كل هذه المظاهر، ولعل ذلك يعزز المكانة الإيرانية إقليميًا، ويربك توجهات خصومها الإقليميين، بل وقد يؤسس لخلافات خليجية قادمة بخصوص طبيعة العلاقة مع هذه القوة الإقليمية، ناهيك عن المماحكات الشخصية والموضوعية بين دول مجلس التعاون الخليجي.
أما الصين، فقد يراودها 'أمل' بأن تتراخى السياسات التجارية الترامبية تجاهها، لكن ذلك لا يعني تراخي المنافسة الاستراتيجية، وهو نفس ما تنتظره الهند، لكن موضوع تايوان يبقى أساسيًا في العلاقة بين الدولتين، إذ تكاد أن تكون تايوان هي من ضمن القضايا الدولية التي يتقارب فيها موقف الحزبين الديمقراطي والجمهوري، لكن مع فارق بسيط في أن الجمهوريين أكثر تشددًا مع الصين في حالة الهجوم على تايوان، بينما يتوافق الحزبان على قبول صيغة 'صين واحدة بنظامين'.
أخيرًا، ودون أن يبدو ما سأقوله تطاولًا شخصيًا، فإن ترامب 'غير مؤهل' ليقود أقوى قوة في العالم، والارتباك الذي أدخل بلاده فيه نتيجة وقوعه في أشراك لا تنتهي من نرجسيته المَرَضية وضعف إدراكه لتعقيدات العالم المعاصر، وغلبة التفكير التجاري على سلوكه السياسي، ثم خطابه السياسي الذي لا ينقطع، بل ويقدم صورة عن 'كذاب، مشغول أحيانًا بسفاسف الأمور، ثم وقوعه على ما يبدو بارتباطات مشبوهة مع الروس من ناحية، وعدم قدرته على التملص من ملفات إبستين التي يوظفها الموساد ليجبره على الركوع لمطالب نتنياهو المتهورة من ناحية ثانية'... فالارتباك القادم ليس وليد صدفة، بل نتيجة منطقية لحاكم 'أرعن في دولة دخلت مرحلة التراجع من أكثر من عقدين بشهادة العشرات من كبار المفكرين الأمريكيين الذين سبق وعرضنا لدراساتهم في هذا الجانب'... ربما.

























































