اخبار السعودية
موقع كل يوم -صحيفة الوئام الالكترونية
نشر بتاريخ: ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦
في قاع وادي غلغل، حيث علّمت السيولُ الحجارة الصمت عبر عقود، لم يتبقَّ من الظل سوى رائحة الحريق وسواد تفحم على عجل.
شجرة واحدة.
كان العابرون في متنزه محافظة الأفلاج يلقون عليها السلام باسمٍ منحته الذاكرة الشعبية إياها: «شجرة الكهف». لم تكن بحاجة، طوال وقوفها هناك في مهب الريح والشمس، إلى بطاقة تعريف رسمية، حتى جاء صباح يوم الاثنين السادس والعشرين من أكتوبر 2026.
فجأة، التهمت النيران أغصانها، ومع دخانها المتصاعد، فُتح ملف تحقيق بيئي وأمني، واشتعلت معه حيرة الأسئلة التي لم تدونها الأوراق الحكومية يومًا.
تبدأ القصة في السجلات الرسمية من نهايتها المأساوية، لا من جذورها الأولى؛ فلا اسم لمن غرسها، ولا تاريخ لليوم الذي شقت فيه تربة الوادي، ولا وثيقة تثبت كم خريفًا مر على أغصانها قبل أن ينتهي بها المطاف حطامًا متفحمًا.
حين هرع فريق المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر إلى البقعة المحترقة، كان هدفه الأول عمليًا بحتًا: عزل النيران، ومنع ألسنة اللهب من التهام ما تبقى من خضرة في المتنزه، ثم تنظيف البقايا، ورفع الواقعة إلى جهات التحري؛ للبحث في ملابسات ما وُصف رسميًا بأنه «حادثة حريق»، دون أن تملك الأوراق حتى اللحظة جزمًا بالسبب، أو إدانة لمتسبب، أو حتى تقريرًا يطمئن العابرين على قدرة الجذع المصاب على النجاة.
هنا، في صحراء الأفلاج التي عُرفت قديمًا في بطون التاريخ باسم «الفلج» وسوقها التجاري العتيق، يبدو اسم «غلغل» حاضرًا بقوة في جغرافيا المكان؛ إذ حُفظ اسمه في شتاء 2013 حين سالت أوديته المجاورة لوادي الأحمر ووادي الغيل.
لكن الوادي الذي حفظته سجلات المطر، نسي أن يوثق تاريخ شجرته.
الشجرة التي احتضنها الأهالي كرمز طبيعي، ظلت في العرف البيروقراطي مجرد شجرة طلح، دون أن تمنحها دفاتر المؤسسات إجابة عن سر اقتران اسمها بالكهف، أو شهادة نسب تفصل فصيلتها الدقيقة؛ هل هي الطلح النجدي أم طلح السلم؟ وتلك تفاصيل تفرق كثيرًا في علم النبات، كما في ذاكرة الأماكن.
والطلح في بطاح الجزيرة ليس مجرد خشب؛ إنه كائن التكيف المدهش الذي يحبس التربة أن تتغلغل، ويمنح الطير والوحش ظلًا ومأوى، وتتفاوت أعماره في البراري ما بين عشرين عامًا إلى قرنين من الزمان.
ومع ذلك، لا يملك أحد حتى اليوم أن يدعي أن شجرة غلغل عاشت مئتي عام، كما لا يستطيع أحد أن يجزم بأنها واحدة من بين 550 شجرة معمرة حصرها مركز الغطاء النباتي في خريف 2025 واعتبرها إرثًا وطنيًا؛ فالقائمة أُغلقت على أرقامها دون أن تفصح عن أسماء مواقعها التفصيلية.
في الأفق، ثمة نصوص مشددة يفرضها نظام البيئة السعودي؛ قوانين صارمة تجرّم العبث بالغطاء النباتي، وتتوعد مشعلي النيران بغير الأماكن المخصصة بعقوبات تتدرج حتى تبلغ قسوة الجرم إن ثبت التعمد. غير أن القانون يقف الآن عند حدود تحريات لم تُعلن نتائجها بعد، في انتظار تقرير فني يحدد هل ما جرى كان عبثًا مدبرًا، أم قضاء عابرًا في وادٍ اعتاد تقلب الفصول.
بين سواد الجذع وبياض الأوراق الرسمية الخالية من تفاصيل الماضي، تنام «شجرة الكهف» على رمادها.
قصة لم تكتمل في الدفاتر؛ بدأت من حريق، وتنتظر ما ستكشفه التحقيقات، لتثبت أن بعض الشجر يحتاج أن يُحرق أولًا، لكي يتذكر الناس أن له سيرة كان ينبغي أن تُكتب قبل أن تتحول إلى رماد.










































