اخبار سوريا
موقع كل يوم -عكس السير
نشر بتاريخ: ٢٦ أب ٢٠٢٦
مع توالي موجات الحر القياسية واتساع رقعتها في أوروبا، لم يعد تبريد المدن مسألة مرتبطة براحة السكان وحدها، بل تحول إلى تحدٍّ يمس الصحة العامة، وكفاءة الاقتصاد، وقدرة شبكات الكهرباء على تلبية الطلب المتزايد. وفي البحث عن حلول قابلة للتطبيق، تتجه الأنظار بصورة متزايدة نحو مدن الخليج، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الحياة الحضرية تحت درجات حرارة شديدة الارتفاع.
كانت صحيفة «البيان» الاماراتية قد سلطت الضوء، في تقرير سابق نشر في 31 يوليو الماضي، على تجربة دبي المتقدمة في تبريد المدن والتكيف مع درجات الحرارة المرتفعة، وهي التجربة التي تتجه إليها الأنظار الأوروبية اليوم.
وتقول صحيفة «فايننشال تايمز» إن شركات ومدناً أوروبية بدأت دراسة تقنيات وحلول مستخدمة في دبي وأبوظبي والدوحة، تتراوح بين شبكات التبريد المركزي والممرات المبردة، وصولاً إلى الأسطح العاكسة للحرارة وأنظمة التبريد التبخيري وتصميم المساحات العامة بطريقة تقلل التعرض المباشر للشمس.
وتعكس هذه التحركات تحولاً في النظرة الأوروبية إلى خبرة مدن الخليج؛ فمن حلول صُممت للتعامل مع ظروف مناخية محلية قاسية، باتت تقنيات التبريد الحضري الخليجية موضع اهتمام عالمي، مع ازدياد تواتر موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة في مدن لم تُصمم مبانيها وشبكاتها للتعامل مع القيظ الممتد.
بنية حضرية
طورت مدن الخليج، على مدى عقود، منظومة واسعة للتكيف مع الطقس الحار، لا تقتصر على أجهزة تكييف الهواء داخل المباني، بل تشمل تخطيط المدن والربط بين المنشآت وتوفير مناطق مظللة ومبردة، واستخدام الزجاج والمواد العازلة، واعتماد أنظمة مركزية لتبريد المناطق ذات الكثافة العمرانية المرتفعة.
وتبرز دبي بوصفها واحداً من أكبر المختبرات الحضرية لهذه الحلول؛ إذ تستخدم شبكات التبريد المركزي في مناطق الأعمال والمجمعات السكنية والفنادق والمطارات ومراكز التسوق والمستشفيات.
ويعتمد هذا النظام على إنتاج المياه المبردة في محطات مركزية، ثم نقلها إلى المباني عبر شبكة من الأنابيب المعزولة تحت الأرض. وتستخدم المياه داخل المنشآت لتبريد الهواء، قبل إعادتها إلى المحطة لتبريدها مجدداً، بدلاً من اعتماد كل مبنى على أجهزة مستقلة.
وتشير مؤسسة الإمارات لأنظمة التبريد المركزي «إمباور» إلى أن التبريد المركزي يناسب بصورة خاصة المناطق ذات الكثافة العالية والمشروعات الكبرى، لما يوفره من قدرة على إدارة الطلب بكفاءة وتشغيل منظومة واحدة لخدمة عدد كبير من المباني. وتستهدف استراتيجية دبي رفع حصة التبريد المركزي من سوق التبريد في الإمارة إلى 40% بحلول عام 2030.
وترى وكالة الطاقة الدولية أن دبي وسنغافورة من أبرز المدن التي طبقت شبكات حديثة للتبريد المركزي على نطاق واسع، موضحة أن هذه الأنظمة تسمح بنقل الحرارة الناتجة من قلب المناطق المكتظة إلى محطات مركزية، كما يمكن دمجها مع مرافق تخزين الطاقة الحرارية لمواجهة ذروة الطلب على الكهرباء.
تبريد خارجي
لفتت قطر أنظار العالم إلى تقنيات التبريد الخارجي خلال استضافتها كأس العالم لكرة القدم عام 2022، بعدما استخدمت أنظمة لتوزيع الهواء المبرد داخل الملاعب وبعض المساحات المفتوحة. وقدمت التجربة نموذجاً لإمكان توفير بيئة مريحة في مواقع مفتوحة جزئياً، لكنها أثارت في الوقت نفسه نقاشاً حول مقدار الطاقة اللازمة لتبريد فضاءات خارجية واسعة.
ولا تقتصر الحلول الخليجية على ضخ الهواء البارد؛ إذ تشمل التبريد التبخيري، الذي يعتمد على تبخر المياه لخفض حرارة الهواء، إضافة إلى مواد بناء وأسطح قادرة على عكس نسبة كبيرة من أشعة الشمس، بدلاً من امتصاصها وتخزينها ثم إطلاقها ليلاً.
كما يقوم التصميم الحضري المتكيف مع الحر على زيادة الظلال، وتوجيه المباني للاستفادة من حركة الهواء، وتقليل المساحات الإسفلتية المكشوفة، وزراعة الأشجار، وإنشاء ممرات مترابطة تحمي المشاة من التعرض المباشر للشمس.
وتوضح وكالة الطاقة الدولية أن إضافة المساحات الخضراء والمسطحات المائية وتشجير الشوارع وتقليل الأسطح المغلقة قد تخفض درجات الحرارة المحلية بما يصل إلى خمس درجات مئوية في بعض الحالات. كما يمكن للعزل الجيد والتظليل الخارجي خفض حاجة المبنى إلى التبريد بنسبة تصل إلى 80%، وفق طبيعة المبنى والمناخ.
نقل التجربة
رغم الاهتمام الأوروبي المتزايد، يصعب نقل النموذج الخليجي بحذافيره. وتتمثل العقبة الأولى في استهلاك الطاقة؛ فتكييف المساحات المفتوحة أو الممرات الطويلة قد يحتاج إلى كميات كبيرة من الكهرباء، ويصبح ذا أثر بيئي سلبي إذا لم يعتمد على مصادر نظيفة وتقنيات عالية الكفاءة.
أما العقبة الثانية، فهي اختلاف الجدوى الاقتصادية. تحتاج مدن الخليج إلى التبريد خلال معظم أشهر العام، ما يبرر الاستثمار في محطات مركزية وشبكات أنابيب ضخمة. في المقابل، تظل مواسم الحر الشديد أقصر نسبياً في معظم المدن الأوروبية، ما قد يجعل إنشاء شبكات جديدة للتبريد المركزي أقل جدوى، خصوصاً في الأحياء القديمة المكتظة.
كما تواجه مدن أوروبية كثيرة تحدياً يتعلق بطبيعة مبانيها التاريخية، التي لم تُصمم لاستيعاب أنظمة تكييف واسعة، فضلاً عن صعوبة مد شبكات تحت الأرض في مراكز المدن القديمة.
لهذا السبب، يرجح الخبراء اعتماد أوروبا نسخة انتقائية من التجربة الخليجية، تجمع بين التبريد المركزي في الأحياء والمشروعات الجديدة، وبين حلول أقل كلفة واستهلاكاً للطاقة في المناطق القائمة.
حلول سلبية
تتجه الأولوية إلى ما يعرف بـ«التبريد السلبي»، أي خفض درجات الحرارة من خلال تصميم المبنى والمدينة، قبل اللجوء إلى أجهزة التكييف. وتشمل هذه الحلول العزل الحراري، والواجهات المظللة، والأسطح البيضاء أو فائقة الانعكاس، والتهوية الطبيعية، وزراعة الأشجار، وإعادة تصميم الشوارع للحد من ظاهرة الجزر الحرارية.
وتكتسب الأسطح العاكسة أهمية متزايدة لأنها تقلل امتصاص المباني لأشعة الشمس، بينما يمكن للمواد فائقة التبريد أن تطلق الحرارة إلى الخارج وتبقي سطح المبنى أدنى حرارة من محيطه في ظروف معينة.
أما التبريد التبخيري، فيمكن أن يوفر بديلاً أقل استهلاكاً للكهرباء في المناطق الجافة، لكنه يصبح أقل فاعلية في المناخ الرطب، كما يثير تساؤلات بشأن استهلاك المياه، خصوصاً خلال فترات الجفاف.
وتحذر وكالة الطاقة الدولية من أن الطلب العالمي على التبريد يتحول إلى أحد أكبر مصادر الضغط على منظومات الطاقة. ويستهلك التكييف والمراوح نحو 20% من الكهرباء المستخدمة في المباني عالمياً، بينما يؤدي كل ارتفاع بمقدار درجة مئوية فوق 24 درجة إلى زيادة ملحوظة في الطلب على الكهرباء في عدد من الأسواق.
قابلية التصدير
يكشف الاهتمام الأوروبي أن التكيف مع الحر أصبح قطاعاً اقتصادياً عالمياً، يمتد من مواد البناء والهندسة المعمارية إلى أنظمة إدارة الطاقة وأجهزة الاستشعار والتبريد المركزي والتخزين الحراري.
ويمنح ذلك الشركات الخليجية فرصة لتحويل الخبرات التي اكتسبتها في البيئات شديدة الحرارة إلى خدمات استشارية وتقنيات قابلة للتصدير. فمدن الخليج لا تقدم نموذجاً واحداً، بل مجموعة من الحلول التي يمكن تكييفها وفق المناخ والكثافة العمرانية وتكلفة الطاقة في كل مدينة.
ولا يعني ذلك أن تصبح المدن الأوروبية نسخاً من دبي أو الدوحة، وإنما أن تستفيد من الدروس التي تعلمتها مدن الخليج مبكراًالتعامل مع الحرارة يبدأ من تخطيط المدينة وتصميم المبنى وإدارة الظلال والطاقة، وليس من تركيب مزيد من أجهزة التكييف بعد وقوع الأزمة.
ومع استمرار ارتفاع حرارة العالم، تتحول الخبرة الخليجية من استجابة لواقع مناخي قاسٍ إلى معرفة استراتيجية مطلوبة دولياً، وقد تصبح تقنيات التبريد الحضري إحدى أبرز الصناعات التي تصدرها المنطقة إلى عالم يتعلم تدريجياً كيف يعيش ويعمل في مناخ أشد حرارة.




































































