اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ٦ أب ٢٠٢٦
تُثير الخطوات السياسية الأخيرة للنائب فيصل كرامي أو بالأحرى منذ لحظة 'تكويعته'، موجة من السخرية والاستغراب في آن معًا. فهذا الأفندي، اختار أنْ يغيب عن لقاء 'حماية لبنان' الذي دعا إليه رئيس التيّار الوطني الحرّ النائب جبران باسيل في فندق فينيسيا- بيروت، لكنّه لم يغب عن تأييد مضمونه، إذ سارع، في التوقيت نفسه، إلى إصدار بيان 'بارك' فيه الوثيقة السياسية الصادرة عن اللقاء، والتي تدعو إلى إقرار استراتيجية دفاع وطني شاملة تُعنى بمختلف الجوانب، بما فيها البُعد الشعبي. إلا أنّ هذه الصيغة، تُبقي الباب 'مواربًا' لتجنّب الخوض في مسألة سلاح حزب الله، وهو طرح ينسجم أساسًا مع موقف أمينه العام الشيخ نعيم قاسم الذي يرفض وضع السلاح على طاولة البحث، ممّا يعني أنّ موافقة كرامي على هذا الطرح دون انتقاده، تمنح غطاء سياسيًا لاستمرار واقع السلاح غير الشرعي في لبنان.
من هذا المنطلق، اختار 'الفيصل' أنْ 'يضرب الأخماس بالأسداس' وأن يلجأ إلى التناقض المعتاد في مواقفه، متبعًا سياسة الهروب إلى البيانات بدل خوض مواجهة تُحدّد موقفه وموقعه بوضوح، مستعيضًا عن الحضور الفعليّ ببيان يُسجّل موقفًا 'من بعيد لبعيد'. وفي كلّ الحالات، لم يكن حضوره ليُحدث فارقًا كبيرًا، فوجوده كعدمه. خصوصًا أنّ طبيعة العلاقة
'الطيّبة' التي تجمعه بباسيل باتت معروفة. من هنا، تُؤكّد مصادر مطّلعة أنّ هذا البيان لم يكن ليخرج من أروقة 'الأفندي' لولا عتب باسيل الشديد عليه، فالعتب على قدّ المحبّة كما يُقال. وهكذا، وجد كرامي نفسه مضطرًا إلى تبرير الـ 'Absence'. لكن حتّى ولو كان هدفه من نشر البيان، مجرّد رفع عتب، كان بإمكانه أنْ يستقلّ بموقفه قليلًا، وأنْ يخرج، ولو جزئيًا، من عباءة البيانات الجاهزة. فلو أراد فعلًا تكريس صورة مختلفة بعد 'التكويعة'، لكان أعلن بوضوح دعمه لمبادرة رئيسيّ الجمهورية والحكومة في اتفاق الإطار ومسار المفاوضات، وهو الملف الذي غاب عمدًا عن لقاء 'البرتقالي' لأسباب باتت معروفة. وهنا يبرز السؤال الذي تطرحه الأوساط السياسية: كيف لنائب يسعى إلى شقّ طريق سياسي جديد، وكان قد أعلن سابقًا تأييده لخطوات الرئيس عون في ملف التفاوض، أن يكتفي برفع العتب، بدل أن يترجم تحوّله بموقف سياسي مستقل؟ وما هذا التناقض الواضح في تصريحاته الذي لا يُمكن أنْ تعرف منها 'كوعك من بوعك'؟
من الواضح أنّ كرامي يعيش اضطرابًا سياسيًا، ولكن في ظلّ هذا التخبّط، عليه أن يُدرك أنّ تغاضي البعض عن مواقفه المتناقضة اليوم لن يستمر طويلًا. إذ تطرح فعاليات طرابلسية تساؤلات حول ما سيُصدره من مواقف مع قرب حلول ذكرى تفجيريّ التقوى والسلام في 23 آب: فهل سيكتفي بعناوين فضفاضة كتلك التي استخدمها باسيل عند حديثه عن سلاح الحزب؟ أم سيكون كلامه إنشائيًا وبلاغيًا كعادته؟ أم سيحسب حساب 'الرجعة' فيتجنّب الإشارة إلى إجرام النظام السوري وعلاقته برئيسه بشار الأسد، أو (في نطاق أضيق) علاقته برفعت عيد، المتهم في تفجيريّ التقوى والسلام؟
تعتقد هذه الفعاليات أنّ أيّ كلمة ستصدر عن كرامي لن تكون 'من القلب إلى القلب' لكونها ناتجة عن تبدّل السياق السياسي بعد سقوط النظام الذي آزره في مواقف عدّة، كما آزره حزب الله انتخابيًا.
لذلك، آثر النائب كرامي رضى باسيل اليوم، كما آثر في السابق الوقوف إلى جانب بشار الأسد. لكن يبقى السؤال: هل سيتمكّن من الاستمرار في هذا النهج، أم أنّ المرحلة المقبلة ستفرض عليه مواقف أكثر تخبطًا وتوترًا؟
إهدأ أيها الأفندي، فالعمل السياسي لا يُبنى بالتكويع أو تسجيل مواقف لرفع العتب، بل على مبادئ ثابتة لم تألفها، فالذاكرة السياسية حاضرة لدى حلفائك قبل خصومك.











































































