اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ٢٧ أب ٢٠٢٦
خاص مجلة الهديل….
بقلم: غنوة دريان –
اعتزال داليا مبارك لم يكن مجرد خبر فني عابر، بل أعاد إلى الواجهة سؤالًا طالما ظل حاضرًا خلف أضواء المسرح: متى يشعر الفنان أن الوقت حان ليقول «كفى»؟
في عالم يقوم على الحضور المستمر، تبدو فكرة الاعتزال شديدة الصعوبة. فالفنان لا يترك وظيفة فقط، بل يبتعد عن جمهور اعتاد صوته وملامحه ووجوده، وعن مساحة صنعت جزءًا كبيرًا من هويته. ولهذا فإن قرار الابتعاد، خصوصًا عندما يأتي والفنان لا يزال قادرًا على الاستمرار، يثير تساؤلات أكبر من مجرد أسباب الاعتزال.
داليا مبارك اختارت أن تتوقف، أو على الأقل أن تضع نهاية واضحة لمرحلة من حياتها الفنية. وهنا تبدو المسألة مختلفة عن فنان اضطر إلى الاعتزال بسبب تراجع شعبيته أو غياب الفرص. أن تختار الرحيل وأنت لا تزال قادرًا على تقديم المزيد يعني أنك وضعت حياتك الشخصية وراحتك النفسية في كفة، والشهرة والاستمرار في كفة أخرى، ثم اخترت الأولى.
لكن متى يعرف الفنان أن اللحظة قد حانت؟
لا توجد إجابة واحدة. فهناك فنان يكتشف أن الشغف لم يعد كما كان، وآخر يشعر بأن الحضور أمام الجمهور أصبح عبئًا أكثر منه متعة، وثالث يجد أن الاستمرار بدأ يأخذ من حياته الخاصة أكثر مما يمنحه على المستوى المهني. وربما يكون أصعب ما يواجهه الفنان هو أن يعترف لنفسه بأن ما كان يحبه ذات يوم لم يعد يمنحه الشعور نفسه.
في المقابل، هناك فنانون يختارون الطريق المعاكس تمامًا. يستمرون حتى النهاية، لأنهم لا يرون الفن مرحلة مؤقتة يمكن إغلاقها، بل جزءًا من وجودهم. بالنسبة إلى هؤلاء، العمر ليس سببًا للتوقف، وتراجع الوهج لا يعني بالضرورة انتهاء القيمة. قد يتغير الصوت، ويقل الظهور، وتتبدل طبيعة الأعمال، لكن الرغبة في الوقوف أمام الجمهور تبقى موجودة.
وهنا يدخل الجمهور طرفًا أساسيًا في المعادلة. الجمهور غالبًا لا يريد أن يودع الفنان الذي أحبه، وقد يرى في اعتزاله خسارة لصوته أو حضوره أو ذكرياته معه. لكن هل يحق للجمهور أن يطلب من الفنان الاستمرار فقط لأنه لا يريد خسارته؟
ربما لا.
فالفنان، قبل أن يكون اسمًا على المسرح أو صورة على الشاشة، إنسان له حياته وطاقته وحدوده وخياراته. الجمهور يستطيع أن يحب، وأن يطالب، وأن يحزن، لكنه لا يستطيع أن يعيش مكان الفنان الثمن الذي يدفعه مقابل الاستمرار.
وفي الجهة الأخرى، قد ينظر البعض إلى الاعتزال باعتباره استسلامًا مبكرًا، خصوصًا عندما يكون الفنان في مرحلة يستطيع فيها أن يقدم المزيد. وهنا تظهر المقارنة مع فنانين اختاروا البقاء حتى آخر لحظة، ولم يسمحوا للعمر أو تغير السوق بأن يحدد لهم متى تنتهي رحلتهم.
لكن ربما لا توجد بطولة في الاستمرار، كما لا توجد هزيمة في الاعتزال.
البطولة الحقيقية أن يعرف الفنان نفسه جيدًا: هل ما زال يغني لأنه يحب الغناء، أم لأنه يخشى الصمت؟ هل يصعد إلى المسرح لأنه يريد أن يكون هناك، أم لأنه لا يعرف كيف يعيش بعيدًا عن التصفيق؟ وهل يستمر لأنه لديه ما يقوله، أم لأنه يخشى أن يقول له الجمهور ذات يوم: انتهى وقتك
من هنا تبدو تجربة داليا مبارك جديرة بالتوقف عندها. فالاعتزال لا يعني دائمًا أن الفنان لم يعد قادرًا على العطاء، وقد يكون أحيانًا دليلًا على أنه أدرك أن لديه حياة أخرى تستحق أن تُعاش بعيدًا عن الأضواء.











































































