اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٥ شباط ٢٠٢٦
هنري زغيب
لم يكُن صديقًا لي من بيروت. كان لي ذاكرةَ بيروت.
لم أَبحثْ مرَّةً عن صورة أَو تاريخ أَو معلومة، إِلَّا وكان يمدُّني بها في فرَح مَن يزيدني ضوءًا آخَر على مدينته الغالية. هكذا، في مقالاته وأَبحاثه، أَضاف على مجلة «مرايا التراث» كُنوزًا أُخرى، بنصوصها وصُوَرها، زادَت توثيقًا على أَكاديميَّة المجلة (يصدرُها «مركز التراث اللبناني» في الجامعة اللبنانية الأَميركية LAU).
ولأَنه حارسُ التراث البيروتي، تَرافَقْنا معًا والدكتور أَنطوان مسرَّة، ذات صيف، إِلى عدد من المناطق اللبنانية (بينها غلبون وضهور الشوير)، وإِلى «معرض الكتاب العربي» في العاصمة. كُنَّا ثُلاثيًّا يدور على الناس حاملًا قنديل ديوجينوس بحثًا عن أَفضل الوسائل والوسائط والأَساليب لنقْل التراث اللبناني إِلى الجيل الجديد، فتكون له ذاكرةٌ، ويكون له إِرثٌ يعادل هويته.
قبل ثلاث سنوات، اقترح عليَّ بحماسةٍ بيروتية إِقامةَ معرض للرسام نبيل سعد (عضو جمعية «تراثنا بيروت»). واصطحبني إِلى محترف الرسام في برجا لرؤْية لوحاته عن بيروت. وأَقمتُ بعدها معرضًا له في «مركز التراث اللبناني» (LAU) بعنوان «بيروت على خط الأُفق».
قبل نحو سنتين، دعاني إِلى لقاء عام في مقهى يونس (السوديكو) مع أَعضاء من جمعية «تراثنا بيروت». كان حريصًا على توثيق محاضرتي عن التراث كي ينشرها على موقع «الجمعية» امتدادًا لحرصه على نشر التراث كينونةً وكيانًا. وكم كان سعيدًا قبل بضع سنوات أَن يتكرَّس في ذاكرة بيروت يومٌ وطنيٌّ للتراث اللبناني.
مسكونًا كان بإِخراج تراث بيروت من أَمسه الموثَّق إِلى غده التوثيقي. كان يعتبر مسيرتَه رسالةً لتثبيت بيروت في الذاكرة الجماعية إِرثًا غيرَ عادي لمدينة غير عادية. وهو نجح بذلك، كما ينجح كلُّ عملٍ رساليٍّ ينصرف إِليه مؤْمنٌ به.
مساء هذا الإِثنين (قبل يومين) من هذا الأُسبوع، كان حاضرًا معنا في الجامعة (LAU) ندوةً مع الدكتور نبيل أَبو مراد عن أَول 100 سنة من تاريخ المسرح اللبناني. وكنتُ، تحضيرًا الندوةَ، سأَلتُه عن مجموعة صُوَر قديمة لمسارح بيروت القديمة. زوَّدني بها وأَغنيتُ الندوة بصريًا بتلك الصالات العتيقة حول «ساحة البرج» من مسرح فاروق إِلى مسرح الباريزيانا إِلى التياترو الكبير. وفي نهاية الندوة غادرَ وهو يَعِدُني بوثائق أُخرى عن مسارح النصف الأَول من القرن العشرين.
حين صافحتُهُ مودِّعًا، لم أَحدُسْ أَنني أُصافحه للمرة الأَخيرة، وأَنني بعد يومين سيَبْلُغُني نعيُه الصاعق.
خانَهُ قلبُه، صديقي سهيل منيمنة، فأَوجعَ قلوبَنا.
«خيّي سهيل»، كما كنتُ أُناديك... وسأَظلُّ أُناديك كلَّما احتجتُ وثيقةً عن بيروت، كلَّما تمنيت مقالًا جديدًا منك عن بيروت، وكلما مرَّ في بالي ذكرُكَ الطيب وأَنت تُطايبُني بلمحة جديدة عن بيروت التراث، وأَنتَ جدَّدتَ فيها كلَّ فلْذة من تاريخها البيروتي الخالد.











































































