اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
اشرت في المقال (1) الى أن أبنية السلط وإربد والكرك ومادبا التي أقيمت ابان نهايات الفترة العثمانية بعد انقطاع عمراني طويل الأمد امتد لمئات السنين ، كانت أول انتاج أردني ملموس ومتكامل العناصر الوظيفية (توزيع داخلي للبناء حسب نوع الوظيفة) أتم أبناء مجتمعاتنا المحلية ممن استقروا بتلك الفترة تشييده بأيديهم وبخبراتهم وامكانياتهم وادواتهم الذاتية ، ولذلك فإن تلك الأبنية هي التي يجب التشبث باركانها والعناية بمعطياتها ، لأنها الأقدر والأصدق والأكثر جدارة واستحقاقا للتعبير عن هوية العمارة الأردنية وتاريخها المتأصل الموغل في القدم
ويعود هذا الانقطاع العمراني طويل الأمد (بعض الفترات تجاوزت 400 عام) إلى الطبيعة الجغرافية والسكانية وإلى الدول والامبراطوريات التي حكمت المنطقة بشكل مركزي بما فيها الأرض الأردنية ، فالأردن كان في معظم تاريخه القديم نقطة محورية متوسطة ، ومسار/ درب (Trail) للعبور بين بلاد الشام والجزيرة العربية والعراق وفلسطين ومصر ، حيث أطلقت عليه الخرائط القديمة مسمى 'عبر الأردن' (Trans-Jordan)
ولذلك فإن الأثر العمراني للدول والامبراطوريات التي حكمت المنطقة وتمركز معظمها في روما والقسطنطينية ومكة ودمشق وبغداد والقاهرة وإسطنبول ، كان نابعا من اهتمام تلك الجهات بالمسارات والدروب المارة عبر الأردن لعديد الأسباب بما فيها الزراعية والتجارية والدينية والحربية واللوجستية ، ومن أشهرها مسار الحج البري وطريق الحرير (Silk Road) والطريق الملوكي (King's Highway) ، فإن ارتفع مستوى اهتمامها بتلك المسارات والدروب ازدهر العمران وانتشر النماء وارتفع مستوى البنيتين التحتية والفوقية المعنيتين بخدمة تلك الدروب والمسارات ، بما فيها من محطات للاستراحة والتزويد وخانات للدواب وبرك ماء ومشارب وحصون ومحطات للحماية وهذا جانب ، أما في الجانب الاخر فإذا ماصرفت الجهة التي تحكم المنطقة انظارها عن تلك المسارات والدروب لتركيزها على مسارات ودروب أخرى كما فعلت الدولة العثمانية ، فإن مستوى العمران سيتراجع وسيخبو النماء ، وستغدو تلك المسارات ببنيتيها الفوقية والتحتية مجرد أطلال تذروها الرياح دون ولي أمر
ولكن وبالرغم من كل ذلك ، فمن الواجب علينا ان لا نتناسى وجود نمط موازي وشبه مستقر للحياة في أجزاء واسعة من الأرض الاردنية القريبة من تلك المسارات والدروب (الكرك والطفيلة والشوبك) ، التي قام إنسانها بصنع وابتكار عمارة فلاحية شبه ثابتة تتبع المواسم الزراعية ، وخلق فضاء بدوي يمتاز بالرشاقة وسرعة الحركة والتنقل ، يرتبط بفترات زمنية لها علاقة بحركة الماشية في مواسم الرعي للبحث عن الماء والكلأ ، ولذلك فإن هذا النمط العمراني المتقلب فصليا وموسميا ، لم يترك أثراً حجرياً صامدا يشهد على وجوده وصيرورته ، ولهذا فإننا نرى بأن بعض الحقب التاريخية تبدو وكأنها فارغة في السجل العمراني للأرض الأردنية ، مع أنها كانت مأهولة بسكانها الأصليين الذين أنشأوا عمارتهم وأقاموا فضاءاتهم ونظّموها بموادهم وأساليبهم الذاتية
وللحديث بقية

























































