اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٦ كانون الثاني ٢٠٢٦
د. ملحة عبدالله
مرتدي القناع ما هو إلا شخص ضعيف لا يقوى على المواجهة، شخص لا يقوى على الفعل، فيلجأ إلى اللين والتزين في القول حتى تشعر أنك أمام شخص لا يمكن التخلي عنه، شخص يُعتمد عليه، شخص نادر الوجود، حتى يسقط القناع عند الحاجة إلى الفعل، وهذه هي أول آلة وأول جهاز لكشف الكذب وإسقاط القناع..
القناع هو رداء حقير، لا يخفي معالم الوجه فحسب وإنما يخفي ملامح الشخصية برمتها! ومن أصعب ما يواجهنا في هذه الأيام هو قناع المشاعر التي تفوق أقنعة كل الوجوه التي تقابلنا.
ما الذي اعترى الأدب العربي؟ ومن أين وفد هذا (الفايرس) اللعين؟ الذي يمسخ كل شيء حولنا، التواصل، المعرفة، الثقة الآخرين، المواجهة، والمعرفة الإنسانية في نهية المطاف!
مرض اجتماعي يحاصر الواقع الثقافي حديث يطفو على وجه كل البنى المعرفية، والذي لن يترك إلا الخزي والعار والسقوط في بئر سحيقة اسمها المداهنة والتملق.
إنها سمة تتصاعد بدءاً من العلاقات الشخصية في العمل وفي المجالس الثقافية، حتى ندور فيدور في فلك قناع من الزيف الذي ينبع في الأساس من أشخاص بيننا يحيون معنا ويتحدثون لنا، وكأننا أحد أعضاء أجسامهم التي لا يستطيعون العيش بدونها، وفي اليوم التالي ينسلخ ذلك العضو المهم في أجسادنا ليترك مرضاً عضالاً يشل كل الحركة المعرفية والودية المحبة للإنسانية كلها، مرضاً يسحق السلام النفسي مع الآخر ويطرح العديد من الأسئلة، لماذا اللجوء إلى القول بلا فعل؟ ولماذا كل هذه المشاعر المزخرفة بكل ألوان الزينة؟ ولماذا اللجوء إلى هذه الأساليب المقيتة؟
في البداية نستشف العرض لهذا المرض الثقافي العضال، فإذا ما توصلنا لجذره فلربما سهل استئصاله. وهو عدم الثقة في النفس! فمرتدي القناع ما هو إلا شخص ضعيف لا يقوى على المواجهة، شخص لا يقوى على الفعل، فيلجأ إلى اللين والتزين في القول حتى تشعر أنك أمام شخص لا يمكن التخلي عنه، شخص يُعتمد عليه، شخص نادر الوجود، حتى يسقط القناع عند الحاجة إلى الفعل، وهذه هي أول آلة وأول جهاز لكشف الكذب وإسقاط القناع.
لقد علمتنا الدراما عندما نقيم الشخصية أو نصنعها بهذا الميزان النقدي لكشف مكامن هذه الشخصية أو تلك أو قل الوقوف على كشف قناعها إن وجد. هذا المعيار النقدي هو أن الشخصية هي ما تقوله، وما تفعله، ثم ما يقوله عنها الآخرون. ولكن مع تفشي هذا الفايرس اللعين أصبح أمراً بالغ الصعوبة! ذلك لأن الشخصية التي أمامنا تصبح زئبقية ملساء لا يمكن كسر غلالتها. رحمة الله على والدي كان يقول لي: هذه الشخصية فهر زبيب تلحسه تجد مذاقه حلو وتقضمه فتجده فهر صلب أي حجر صوان لا يمكن قضمه!
لقد قمنا بتأليف موسوعة عن الحكمة النقد بين الأنس والاغتراب، ولم يكن نتاج هذا العمل سوى اتساع رقعة كبيرة من الاغتراب، فالاغتراب هو تلك الفجوة العميقة بين الأنا والآخر، مما يسبب انعكاساً محطماً لكل زجاج السلام النفسي أو قل السلام الداخلي للإنسان نفسه. فلم تعد تلك الفجوة نتاج جفاء أو مواربة أو حتى تنافر في المعنى وفي الوجود الفعلي في المحيط الاجتماعي، بل كانت نتاج تقارب مصطنع يتزيا بزي أملس من قول زائف وقناع مصطنع، ولسان لين، ما يكون للرياء أقرب فيحطم السلام بين الأنا والآخر حين الذود عن اسمراره بعد كشفه وكشف علته، ولتحطيم السلام الداخلي صدمة تحدث للآخر ولكل آليات الأنس الثقافي الذي يجب أن يدوم في تلاقح فكري وتقارب منهجي ينتج فعلاً من المعرفة في ضوء عالم تتسع أركانه وتدور مراكبه سريعة مزعجة.
إننا من رصدنا للواقع الثقافي الذي ينعكس بدوره على المجتمع، نجد أن الغربة الثقافية أصبحت ظاهرة، بالرغم من التواصل وإبداء اللين وإظهار المحبة. شيء غريب يطفو على السطح لم يكن معهوداً لدينا في الماضي القريب، وهو قوة التواصل والتظاهر بالحب والأخوة والتضحية وبذل كل الجهد لإرضاء الآخر وفي الوقت نفسه يعيش في غربة مستدامة وقاتلة؛ هذا الشعور بالغربة فائقة الحدوث هي نتيجة ما يسمى في العلوم الفيزيائية بقانون الانعكاس، وهذا إذا ما سلمنا أن الأنا محكومة بقوانين فيزيائية كما في العلوم الحديثة، فقانون الانعكاس هو ما يصف كيف ترتد الموجات مثل الضوء والصوت عن ما يقابله، وينص على أن زاوية السقوط زاوية سقوط الشعاع تساوي تماماً زاوية الانعكاس زاوية ارتداد الشعاع.
وكلاهما يُقاس بزاوية سقوط هذا الطيف الخفي من الموجات الحسية التي وهبها الله للإنسان لكي يستشعر كل زوايا الآخر النفسية والثقافية، عن طريق سيل من الموجات المرسلة لنا من شخص آخر يمعن في القول بلا فعل، ويمد في طغيان الألق الخفي من حذلقة ومداهنة سرعان ما تنكشف وينكشف أمر الآخر الغبي الذي يظن أنه قد وصل مبتغاه من لين القول ومن الحذلقة القولية والتمسح الكاذب لنيل مراده إما بمنصب أو عمل فني أو معرفي أو فعالية ما، وإن كان ذلك كذلك سرعان ما تنفصم العرى وتنكشف الأقنعة، ويبدو ذلك الكائن مسخاً مشوهاً باهتاً للعمود المقام على السطح، إنه عمل المرايا العاكسة في علوم الفيزياء. فكما أن الموجات الخفية والأشعة المنعكسة حين تقع على الآخر تقع جميعها في مستوى واحد، هذا القانون أساسي لفهم عمل المرايا والبصريات. وكذلك مكامن الشخصي!
هذا التجلي عبر المرايا العاكسة، هو ما يحرق الآخر ويمسخ وجهه الخفي والمتخفي، وينتج عن هذا كله قانون رهيب ومخيف واقعنا الثقافي، الذي كان بالأمس القريب واضحاً، شديد المواجهة، قريب الفهم والمعنى، حتى أصبح الآن كياناً ناعماً مخملياً زائفاً يتجلى في تلك الشللية المقيتة المعتمدة على منظمين لها ليس لهم علاقة بالثقافة وبالمعرفة - فالمنظم ليس إلا أداة للتنظيم ولا علاقة له بالمعرفة التي يستعيرها من تلك الشللية المعدة مسبقاً حسب العرض والطلب، وهي تلك التي دمرت كل الفنون والمعاني والمسرح والمهرجانات واللقاءات في المنتديات الأدبية والثقافية، فلا نرى إلا مسوخاً باهتة متخفية وراء الكلمات الزائفة، بينما يقبع خلف الأسوار هؤلاء المثقفون وصناع المعرفة يتفرجون على زيف باذخ الوجود، مما يحمل ذلك الانعكاس المرير وهي الغربة المتفشية بيننا. غربة مغلفة بالود والمحبة فيما يبدو، غربة ثقافية، غربة معرفية، وغربة إنسانية في نهاية الأمر.










































