اخبار لبنان
موقع كل يوم -الصدارة نيوز
نشر بتاريخ: ٢٨ أب ٢٠٢٦
كتب حامد الدقدوقي في موقع الصدارة نيوز…
ليست سرقة أموال عامة، ولا صفقة تجارية مشبوهة، ولا مجرد عملية تزوير في أوراق أو فواتير القضية هذه المرة أخطر بكثير… لأنها، بحسب ما أعلنته المديرية العامة لأمن الدولة، وصلت إلى صحة الإنسان مباشرة، وإلى المعدات التي تُستخدم داخل غرف العمليات.
ففي عملية أمنية أعلنت عنها المديرية العامة لأمن الدولة، تم ضبط كميات كبيرة من المعدات والأدوية الطبية المستعملة والمنتهية الصلاحية في مستودعات شركة في شننعير، وسط معطيات خطيرة عن إعادة تنظيف هذه المعدات وتوضيبها وإعادة بيعها للمستشفيات لاستخدامها مجددًا في العمليات الجراحية.
وبحسب التحقيقات التي أعلنت عنها المديرية، كانت الشركة تبيع المعدات للمستشفيات، ثم تستعيدها بعد انتهاء العمليات، وتنقلها إلى مستودعاتها، حيث تُنظف وتُعاد تعبئتها، قبل أن يتم تعقيمها في مستشفى حكومي، تمهيدًا لإعادة بيعها واستخدامها مرة أخرى.
الأخطر أن المضبوطات لم تقتصر على معدات مستعملة، بل شملت عظامًا وبودرة عظام ومنتجات تستخدم في العمليات الجراحية، تبيّن أن بعضها منتهي الصلاحية.
ولم تتوقف الوقائع المعلنة عند هذا الحد فالتحقيقات كشفت، وفق أمن الدولة، عن عمليات تزوير طالت تواريخ انتهاء الصلاحية وبلد المنشأ، إذ جرى إزالة ملصقات تحمل تواريخ الصلاحية ووضع ملصقات جديدة، إضافة إلى تغيير بلد المنشأ وتحويل منتجات تركية إلى منتجات تحمل منشأً أميركيًا.
والنتيجة 13 موقوفًا، بينهم صاحب الشركة ومديرها ومديرها المالي وتسعة موظفين، إضافة إلى مراقب صحي تابع لوزارة الصحة العامة، وختم مستودعات الشركة بالشمع الأحمر.
إذا كانت هذه الوقائع قد ثبتت في التحقيقات الأولية، فإن القضية لم تعد قضية مستودع ومعدات مضبوطة.
السؤال الذي يفرض نفسه على الدولة، وعلى وزارة الصحة، وعلى المستشفيات، وعلى القضاء هو:
أين استُخدمت هذه المعدات؟ وكم عملية جراحية أجريت باستخدامها؟ وكم مريضًا تعامل معها؟
وهل هناك مرضى أصيبوا بمضاعفات أو التهابات يمكن أن تكون لها علاقة بهذه المعدات أو المواد؟
وهل جرى حتى الآن التواصل مع المرضى الذين خضعوا لعمليات باستخدام هذه المنتجات وإخضاعهم للفحوص اللازمة؟
هذه الأسئلة لا تعني اتهام أي مستشفى أو طبيب، ولا يجوز تحويل الشائعات إلى حقائق لكن خطورة ما أعلنته أمن الدولة تفرض فتح كل الاحتمالات والتحقق منها علميًا وقضائيًا.
في موازاة هذه القضية، يتداول حديث عن تسجيل أكثر من عشر حالات التهابات لدى أشخاص خضعوا لعمليات في العظام داخل إحدى المستشفيات.
مرة أخرى، لا يجوز الجزم بوجود علاقة بين هذه الحالات والمعدات المضبوطة قبل صدور نتائج الفحوص والتحقيقات الطبية.
لكن هل قامت الجهات المعنية بالتحقق؟ هل فُتحت تحقيقات داخل المستشفى؟ هل جرى أخذ عينات من المرضى والمعدات والمواد المستخدمة في العمليات؟ هل تم فحص مصادر المعدات والمواد؟ وهل أُبلغت وزارة الصحة والجهات القضائية بكل هذه المعطيات؟
إن لم تكن هذه الإجراءات قد اتخذت، فالسؤال هنا ليس لماذا تأخرت، بل لماذا لم تبدأ بعد؟
بيان أمن الدولة يتضمن إشارة شديدة الخطورة تعقيم المعدات كان يتم في مستشفى حكومي، كما أن من بين الموقوفين مراقبًا صحيًا تابعًا لوزارة الصحة العامة وهنا لا يمكن أن تبقى الوزارة المعنية بصحة اللبنانيين متفرجة نريد أن نعرف:
ما اسم المستشفى الحكومي؟ من سمح بإدخال هذه المعدات إليه؟ من أشرف على عملية التعقيم؟ هل كانت هذه المعدات معروفة المصدر؟ هل كانت صالحة لإعادة الاستخدام أصلًا؟ من كان يراقب العملية؟ وهل وصلت هذه المعدات بعد تعقيمها إلى مستشفيات أخرى؟ والأهم هل لا تزال هناك معدات أو مواد من هذه الشبكة موجودة في مستشفيات لبنانية؟
هنا نتوجه إلى مجلس النواب، وإلى لجنة الصحة النيابية، وإلى رئيسها النائب الدكتور بلال عبد الله هذه القضية تستحق جلسة طارئة، لا بيانًا عابرًا.
المطلوب استدعاء وزارة الصحة، والاستماع إلى أمن الدولة، ومتابعة الملف مع القضاء، ومعرفة مدى انتشار هذه المعدات، وتحديد المستشفيات التي تعاملت معها، والتحقق من سلامة المرضى الذين ربما تعرضوا لها والأهم أن يتم ذلك بعيدًا عن أي حماية سياسية أو حزبية أو طائفية.
فالمريض لا يدخل غرفة العمليات ليسأل عن طائفة الطبيب أو حزب صاحب الشركة أو منطقة مدير المستشفى هو يدخل لأنه يثق بأن الدولة والمؤسسة الطبية تحمي حياته وهذه الثقة لا يجوز أن تتحول إلى فرصة للربح.
إذا أثبت القضاء أن معدات جراحية استُعملت على مرضى، ثم أعيد تنظيفها وتوضيبها وبيعها لاستخدامها مرة أخرى خلافًا للقواعد والمعايير الطبية، أو أن تواريخ صلاحيتها وبلد منشئها زُوّرا، فنحن أمام أفعال بالغة الخطورة تستوجب أقصى درجات المحاسبة وفق القانون، فلا حصانة لصاحب شركة أولموظف ولا حصانة لأي مسؤول يثبت تورطه أو تقصيره فمن يحاول حماية أي متورط، مهما كان موقعه أو انتماؤه، يجب أن يخضع بدوره للمساءلة القانونية إذا ثبت تدخله.
في بلد انهارت فيه العملة، وضاعت أموال المودعين، وتراجعت الخدمات، وهاجر أبناؤه، وتكررت الحروب والأزمات، بقي اللبناني يتمسك بشيء واحد أن يجد مكانًا آمنًا عندما يمرض.
فالمستشفى يفترض أن يكون المكان الذي يهرب إليه الإنسان من الخطر، لا أن يتحول بسبب فساد بعض المتورطين، إلى مكان يخشى فيه المريض مما سيدخل إلى جسده.
وإذا كان الفساد قد وصل إلى أبواب المستشفيات، فإن السكوت لم يعد حيادًا لذلك، المطلوب اليوم ليس فقط معرفة من أوقفته أمن الدولة المطلوب معرفة من يقف خلف المنظومة كاملة من استورد؟ من باع؟ من اشترى؟ من سمح؟ من راقب؟ من سكت؟ ومن استفاد؟ والسؤال الذي ينتظر اللبنانيون جوابًا عنه هل استخدمت هذه المعدات فعلًا في عمليات جراحية على مرضى لبنانيين؟
واللبنانيون ينتظرون…
الحقيقة كاملة… لا نصف الحقيقة.
والمحاسبة كاملة… لا كبش فداء.
وأخيراً …صحة اللبنانيين ليست سلعة.











































































