اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
إزاء السيولة التي اتسمت بها متابعة الانتخابات الأميركية، وما رافقها من احتفالات عربية عمت عوالم منصات التواصل بفوز الديموقراطيين، ونشوء حالة استقطاب حول عبدول، أو عبد الرحمن السيد، الفائز بمقعد في مجلس الشيوخ الأميركي، ولا سيما غداة مبارزته الخطابية مع ترامب، إلى درجة اعتباره فخر العرب، وبمعزل عن الديموقراطيين والجمهوريين، ثمة دروس تتجاوز نمطية التبعية والدونية كما التقييم الجيوسياسي المنتشر.
في طليعتها تنامي حضور المسلمين وذوي الجذور العربية داخل المؤسسات التشريعية ومراكز التأثير في القرار الأميركي، بما يعكس قدرة الديمقراطية على استيعاب المهاجرين بمختلف هوياتهم العرقية والدينية، ودمجهم في أنظمتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
أناس ربما لم يكن ليظهروا في بلدان أخرى سوى في المعتقلات، يمكنهم تحدي رئيس الجمهورية ومساجلته والفوز بعدها بالانتخابات. قبل عبدول، انتخب زهران ممداني عمدة لنيويورك رغم أنف ترامب وتياره السياسي. ترى كم تتاح مثل هذه الفرص في لبنان؟ والمنطقة؟ كم من بلدية حوصرت بسبب هويتها السياسية المناوئة للسلطة؟
ناهيكم عن فائزين أخرٍ من جذور عربية في مجلس النواب ومجالس شيوخ الولايات. المضمر في هذه الحالة الاستقطابية هو التعويل على ديموقراطية أميركا من مختلف الاتجاهات الصراعية، رغم أيديولوجيا رجمها التي تطبعت عليها أجيال، حتى صارت على مذبحها ترتسم أحلام وربما أوهام. لكن ماذا لو ترشح عبدول في لبنان أو في بلد آخر؟ هل يسمح له بالترشح أصلا؟
وإذا كان تبنيه حق الإجهاض وحقوق المثليين تكتيكًا انتخابيًا تفرضه المعايير الأميركية، ولا يحتاجه في عوالمنا، فإنه غالبًا سيحتاج لتأشير من جهاز أمني، أو بركة سعد الحريري كنظير لاكتمال سنيته وفق معايير أرستها دعاية تصحرية قائمة على سمات عبودية.
أما عباس علوية الذي تحدث باعتزاز عن جذوره الجنوبية، فماذا لم لو يتح له الترشح على لوائح الثنائي الشيعي لأسباب تقنية أو حسابات انتخابية، ما هي فرصه في اختراق الطوق؟ وهل كان سينظر إليه كممثل عن بيئته أم من الخوارج؟ وكيف كان سيقابل هؤلاء الناجحون في أميركا تلك المناطقية الراسخة في ثقافتنا، وصعوبة تقبل ترشح شخص في غير منطقته في بلد جغرافيته أصغر من ولاية أميركية؟
النقطة الأكثر إثارة، والتي غالبًا ما يصار إلى إغفالها، هي البرنامج الانتخابي. ممداني تبنى شعار المدينة الأخلاقية، وبرنامجًا يعالج قضايا الطبقة العاملة في الإسكان والإيجارات والنقل العام والرعاية الصحية. وعبدول جعل توفير الرعاية الصحية الشاملة والمجانية عنوانًا لبرنامجه، وبه عَبَر.
هنا يكمن جوهر أزمتنا. في الجمود والتكلس والعجز عن توليد ديناميات سياسية في ديموقراطية تبدو أسيرة ديكتاتوريات باطنية قاتلة. انظروا إلى جمود المجلس الشرعي عند السنة والشيعة، وشيطنة تداول السلطة تحت لواء القداسة، فيما مجلس ملّي آخر يترقب ويمنّي النفس بالتمديد.
وإزاء الفجوة التي تفصلنا عن الديموقراطيات الراسخة، يغدو المثال البرازيلي أقرب إلى حالتنا. لولا دا سيلفا خرج من الحكم في ولايته الثانية بشعبية مرتفعة، في حالة نادرة، ثم دخل السجن نحو 550 يومًا على خلفية قضايا فساد في حاشية حكمه، قبل أن يعود إلى حلبة المنافسة ويفوز بالرئاسة لولايتين متعاقبتين، بالاستناد لبرنامج سياسي – اجتماعي واضح، أرفقه بتطوير ذاتي في استخدام تقنيات التواصل، للاقتراب من الناس، وتقليص الفجوة مع غريمه.
ولعل ما نفتقده قبل نتائج هذا الصراع وهو وجوده أصلا بوصفه تنافسًا مبنيًا على البرامج والأفكار. ويا مرحى بجدلية الصراع بين اليسار واليمين علّها تزيل الأدران التي تكبل ديمقراطيتنا. فـحزب الله الذي ما انفكت ماكينته الإعلامية عن الهجوم على ما تصفه بـاليمين الانعزالي ليس يسارًا، وميل بولا يعقوبيان يمينًا ويسارًا ليس سياسة.
إذ ذاك تغدو ظاهرة ممداني الممتدة حتى عبدول بمثابة فيروس، لكنه الفيروس الوحيد الذي نتمنى أن يعمّنا بلاؤه التنافسي، لأنه يبقى أثرى وأجدى من الارتكاز على الولائية الدينية، والزبائنية السياسية، واختزال حقوق الناس برخصة بناء، أوعملية جراحية، أو دواء، أو مقعد في مدرسة رسمية في تعليم متداعي الهيكل.











































































